روايات مترجمةسلسلة طوق الساحرغير مصنفقصص خيالية

رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس – الفصل الثامن عشر

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والقصص الخيالية و روايات مترجمة علي موقعنا قصص 26  وموعدنا اليوم مع الفصل الثامن عشر من رواية السعي من أجل البطولة وهي الكتاب الأول من سلسلة طوق الساحر” للكاتب مورغان رايس وهي السلسلة التي تمتلك كل المقومات لتحقيق النجاح.
سنغوص سويا داخل سلسلة طوق الساحر وعبر أجزائها المتتالية في عالم من المؤامرات و المؤامرات المضادة و الغموض و الفرسان الشجعان و العلاقات المزدهرة التي تملئ القلوب المكسورة, الخداع و الخيانة. 
سوف تقدم لك الترفيه لكثيرٍ من الوقت, وستتناسب مع جميع الأعمار. لذلك نوصي بوضعها في المكتبة الدائمة لجميع قرّاء القصص الخيالية.

رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس – الفصل الثامن عشر

رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس
رواية السعي من أجل البطولة

رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس (الكتاب الأول في “سلسلة طوق الساحر“) 

الفصل الثامن عشر

جلس كلٌّ من تور و ريس و أوكونور و إيلدين وإيريك على الأرض, مشكلين دائرةً حول النار المشتعلة. جلس خمستهم كئيباً وصامتاً, تعجب تور من وجود هذا البرد في إحدى ليالي الصيف. كان هناك شيءٌ حول هذا الوادي, هذا البرد القارس والرياح المخيفة التي تدور حولهم وتتسلل إلى ظهورهم, مختلطةً مع الضباب الذي لا يبدو أنّه يزول أبداً, والذي يجعل المكان كئيباً بشكل كبير. انحنى تور إلى الأمام مقترباً من النار يفرك يديه أمام حرارتها, غير قادرٍ على تدفئتهما.
مضغ تور قطعة من اللحم الجاف بينما كان الآخرون يجلسون حوله, كانت قطعة اللحم قاسيةً وجافّة ولكنّ هذا ما كان تور يتغذى عليه. اقترب إيريك من تور وناوله شيئاً, شعر تور بقِربة نبيذٍ ناعمةٍ توضع في يده. كان السائل يتخضخض داخلها. على الرغم من أنه تفاجئ من ثقلها قام برفعها إلى شفتيه وبدء السائل بالتدفق داخل فمه لعدة دقائق. شعر بالدفء لأول مرةٍ في تلك الليلة.
كان الجميع هادئً ويحدق بالنيران, كان تور لا يزال متوتراً, وهو موجودٌ على هذا الجانب من وادي كانيون, في اراضي العدوّ, بقي لديه شعورٌ بأنه يجب أن يبقى على أهبّة الاستعداد في كل لحظة, كان متعجباً من الهدوء الذي يبدو على إيريك, كان يبدو كما لو أنه مستلقيٌ في حديقة منزله.
شعر تور بالارتياح قليلاً, على الأقل لوجودهم خارج تلك البراري وانضمامهم إلى إيريك وجلوسهم حول هذه النار المطمئنة. كان إيريك يراقب خط الغابة كاملاً ومتيقّظاً لكل حركةٍ صغيرة, ولكن بثقةٍ واسترخاء. عَرف تور أن إيريك سيقوم بحمايتهم جميعاً إذا واجههم أيّ خطر.
شعر تور بالسرور والراحة بجلوسهم حول هذه النار, نظر حوله ورأى أن الآخرين يبدون كذلك أيضاً. بالطبع ما عدا إيلدين, كان كئيباً جداً أكثر من أيّ وقتٍ مضى, منذ عودتهم من الغابة. كان قد خسر ثقة الآخرين بسبب تعجرفه. جلس هناك نكداً وبدون سيفه. لن يغفر له القادة خطأً كهذا, سوف يتم طرده من الفيلق بمجرد عودتهم. تساءل تور عمّا سيفعله إيلدين, كان لديه شعورٌ بأن هذه القصة لن تمرّ بسهولة, فإيلدين كان في جعبته بعض الخِدع والخطط الاحتياطية. شعر تور أنّ ما سيحصل لن يكون جيداً.
التفت تور إلى إيريك وتتبع نظراته إلى الأفق البعيد باتجاه الجنوب. كان توهجاً خافتاً, خطٌّ لا نهاية له يمتد بقدر ما يمكن للعين أن ترى, ويضيء سواد الليل, تعجّب منه تور.
“ما هذا؟” سأل تور إيريك أخيراً. “ذلك التوهّج, الذي تبقى تحدق به؟”
كان إيريك صامتاً لفترةٍ طويلة, والصوت الوحيد الموجود كان صفير الرياح. وأخيراً نطق إيريك بدون أن يلتفت: “إنهم الجورالز”.
تبادل تور النظرات مع الآخرين, والذين التفتوا مرة أخرى بخوفٍ إلى هناك. شعر تور ببعض الامتعاض من التفكير بذلك. الجورالز, قريبون جداً. لم يكن هناك شيءٌ بينهم وبين الجورالز سوى غابةٍ صغيرة وسهل واسع. لم يعد هناك ذاك الوادي الكبير الذي يفصل بينهم ويحافظ على حياتهم. طوال حياته كان يسمع عن حكايات هؤلاء المتوحشين العنيفين, الذين كان طموحهم الوحيد هو مهاجمة الطوق. الآن لم يعد هناك شيءٌ بينهم. لم يستطع أن يصدق هذا العدد الكبير الموجود هناك. كان جيشاً واسعاً ومتأهباً.
“ألست خائفاً؟” سأل تور إيريك.
هز إيريك رأسه. “إن الجورالز يتحركون كرجل واحد. يخيّم جيشهم هناك كلّ ليلة, منذ سنواتٍ طويلة. لن يقوموا بمهاجمة كانيون إلّا إذا قاموا بحشد جيشهم كاملاً وهاجموا معاً. لن يجرؤوا على المحاولة فقوة السيف بمثابة الدرع لنا, إنهم يعرفون أنّه لا يمكن اختراقه.”
“إذاً لماذا يقومون بالتخييم هناك؟” سأل تور.
“إنها طريقتهم لإخافتنا ولتجهيز أنفسهم. لقد قاموا بالهجوم عدة مرات على مرِّ التاريخ في زمن آبائنا, محاولين اختراق كانيون, ولكن ذلك لم يحصل في عهدي.”
نظر تور إلى السماء السوداء وإلى النجوم الصفراء والزرقاء والبرتقالية المتلألئة عالياً. هذا الجانب من الوادي كان مكاناً للكوابيس ولم يتخيل في أيّ وقت مضى أنه سيتمكن من التواجد فيه, التفكير في ذلك يدفعه إلى الخوف, ولكنه طرد هذه الأفكار من رأسه, إنه الآن أحد أعضاء الفيلق وعليه أن يتصرف على هذا الأساس.
“لا تقلق” قال إيريك, كما لو أنّه يقرأ أفكاره. “لن يقوموا بالهجوم طالما لدينا سيف القدر.”
“هل سبق لك أن أمسكته؟” سأل تور إيريك بشكلٍ فضوليّ. “السيف؟”
“بالطبع لا” ردّ إيريك بحدّة. “لا يسمح لأحد بفعل ذلك, باستثناء أحفاد الملك.”
نظر إليه تور حائراً. “أنا لا أفهم, لماذا؟”
تنحنح ريس وقال مقاطعاً حديثهم, “هل من الممكن أن أجيب أنا ؟”
هز إيريك رأسه بالموافقة.
“للأسف لا. هناك أسطورةٌ حول هذا السيف, في الواقع لم يتمكن أيُّ شخصٍ من رفعه من قبل. تقول الأسطورة أن رجلاً واحداً فقط, مُختارٌ واحدٌ, سيتمكن من التعامل مع السيف بنفسه. فقط يسمح للملك بمحاولة ذلك, أو أحد أحفاد الملك الذين يسميّهم بنفسه. لذلك فالسيف يقبع هناك, دون أن يلمسه أحد.”
“وماذا عن ملكنا الحالي؟ أبوك؟” سأل تور. “ألا يستطيع المحاولة.”
نظر ريس إلى الأسفل. “لقد فعلها مرةً واحدة, عندما تمّ تتويجه. وعندها أخبرنا أنّه لم يستطع رفعه. لذلك فالسيف يقبع هناك, كأداةٍ تقوم بلومه بشكلٍ دائم, إنّه يكرهه, فهو يشكل عبئاً عليه كما لو أنّه شيءٌ حيّ.” وأضاف ريس “عندما يصل هذا المُختار سوف يحرر الطوق من جميع أعدائها المتربصين بها وسيقودنا إلى قدرٍ أعظم من الذي عرفناه. ستنتهي جميع الحروب.”
“خيال وهراء” قاطعهم إيلدين. “سيتم رفع هذا السيف من قِبل أيّ شخص. إنها ثقيلةٌ جداً ولكنّ هذا غير مستحيل. وليس هناك ما يسمى بـ ‘المختار’ , هذا كلّه هراء. تم تأليف هذه الأسطورة كي تُبقي عامّة الشعب في الأسفل, كي تبقينا جميعاً ننتظر هذا الشخص الذي من المفترض أن يكون مُختاراً. من أجل أن تقوى شوكة ماكجيل, إنّه أسطورةٌ مريحةٌ جداً بالنسبة إليهم.”
“أغلق فمك أيّها الصبي” قاطعه إيريك. “ستتكلم دائماً باحترامٍ عن ملكنا.”
نظر إيلدين إلى الأسفل بذل.
فكر تور بكل شيء, حاول أن يجمع كل شيءٍ معاً. كان ذلك كثيراً جداً كيّ يفكر به دفعةً واحدةً. كان يحلم برؤية السيف طوال حياته. سمع قصصاً كثيرةً عن شكله المثالي. كانت الشائعات تتردد عن أنّه صنع من مادةٍ لا يفهمها أحد, كان من المفترض أنّه سلاحٌ سحريّ. تساءل ما الذي كان سيحدث لو لم يكن هناك السيف لحمايتهم. هل سينهزم جيش الملك عندها من قِبل الإمبراطورية؟ نظر تور إلى تلك النيران المتوهجة في الأفق. بدت كأنها تمتد إلى اللانهاية.
“هل سبق لك أن كنت هناك؟” سأل تور إيريك. “هناك بعيداً, ما بعد الغابة؟ في البراري؟”
التفت الجميع ونظر إلى إيريك, بينما كان تور ينتظر جوابه بفارغ الصبر. دخل إيريك في صمت عميق, حدّق بالنيران لفترةٍ طويلة, طويلةٍ جداً بحيث جعلت تور يشكّ بأنه لن يجيب أبداً. كان تور يأمل بألّا يبدو فضولياً جداً, لقد كان يشعر بالامتنان كثيراً لإيريك, لذلك لم يرغب أبداً بأن تتغير نظرة إيريك له. وأصلاً لم يكن تور متأكداً من رغبته بمعرفة الجواب.
عندما تمنى تور أن يتمكن من سحب سؤاله, أجاب إيريك: “نعم”, قالها بشكل رصين.
هذه الكلمة الواحدة بقيت معلقةً في الهواء لفترةٍ طويلة جداً, هذه الكلمة أخبرت تور بكلّ ما كان يحتاج سماعه.
“كيف يبدو المكان هناك؟” سأل أوكونور.
شعر تور ببعض الارتياح لأنه لم يكن وحده من يطرح الأسئلة.
“إنها محكومة من قبل إمبراطورٍ واحدٍ لا يوجد في قلبه رحمة,” قال إيريك. “ولكنها أرض واسعةٌ ومتنوعة. هناك أرض المتوحشين, وهناك أرض العبيد وأرض الوحوش ,وحوش لا تشبه أيّ شيءٍ يمكنك أن تتخيله. هناك الصحارى والجبال والتلال على مدّ النظر, هناك الأهوار والمستنقعات والمحيط الكبير, يوجد هناك أرض الكهنة وأرض التنانين.”
اتسعت عينا تور. “التنين؟” سأل تور بدهشة. “كنت أعتقد أنها غير موجودة.”
نظر إليه إيريك بجديّةٍ كبيرة.
“أؤكد لك أنهم موجودون. وذاك هو المكان الذي لن ترغب بالذهاب إليه أبداً, المكان الذي يخشاه الجورالز أنفسهم .”
استغرق تور في التفكير, بالكاد يمكنه أن يتصور كيف لأحدٍ أن يخاطر بالذهاب عميقاً في هذا العالم إلى هذا الحد. وتعجب كيف استطاع إيريك أن يعود مرةً أخرى وهو على قيد الحياة. أبقى هذا السؤال في ذهنه كي يسأله إلى إيريك في وقتٍ آخر.
كان هناك الكثير من الأسئلة التي أراد تور أن يسألها لإيريك, عن طبيعة إمبراطورية الشر ومن يحكمها, ولماذا يريدون أن يقوموا بالهجوم, وكيف استطاع إيريك الخروج من هناك, و متى عاد. ولكن بينما كان تور يحدق بلهيب النيران بدأت النار تصبح أبرد وأقتم, شعر تور بثقل في عينيه بينما كانت هذه الأسئلة جميعاً تدور في رأسه. لم يكن هذا وقتاً مناسباً لطرحها. وبدلاً من ذلك استسلم تور إلى نعاسه, و وضع رأسه على الأرض. وقبل أن يغلق عينيه بشكل كامل, ألقى نظرةً إلى تلك الأراضي الغريبة, وتساءل متى أو إذا كان سيعود إلى موطنه مرةً أخرى.
*
فتح تور عينيه بارتباك, متسائلاً عن مكانه وكيف وصل إلى هنا. نظر إلى الأسفل ووجد ضباباً كثيفاً جداً يغطيه حتى وسطه, كثيفاً بحيث لم يستطع أن يرى قدميه. التفت تور ورأى الفجر يبزغ على كانيون أمامه. وبعيداً على الجانب الآخر كان موطنه, ولكنه ما زال على هذا الجانب, الجانب الخاطئ من هذه الفجوة الكبيرة, تسارعت دقّات قلبه.
نظر تور إلى الجسر, ولكنّ الغريب أنّه كان خالياً من الجنود. المكان كله كان ذلك, في الواقع كان يبدو مهجوراً. لم يتمكن من فهم ما حدث. وبينما كان ينظر إلى الجسر, سقطت ألواحه الخشبية واحدةٌ تلو الأخرى كقطع الدومينو. عندما كانت تسقط ألواح الجسر كانت تهوي إلى أسفل الهاوية , كان الجزء السفلي منها بعيداً جداً, لم يكن حتى يسمع صوت ارتطام الألواح.
تلفّت تور في المكان وحاول فهم ما يجري حوله, بحث عن الآخرين ولكنه لم يرى أحداً منهم في المكان. لم يكن لديه أيّة فكرة عمّا يجب القيام به, الآن هو عالقٌ في هذا المكان وحده, على الجانب الآخر من كانيون, وبدون وجود أيّ وسيلةٍ للعودة. لم يستطع أن يفهم أين ذهب الجميع.
سمع شيئاً, التفت ونظر إلى الغابة واستطاع أن يكتشف بعض الحركة هناك. نهض تور على قدميه ومشى باتجاه الصوت, كانت قدماه تغوص في الأرض. وعندما أقترب تور لمح شبكةً معلقةً بأحد الأغصان المنخفضة. كان إيلدين بداخلها, كانت الشبكة تدور وتدور , وبينما كانت كذلك كانت الأغصان على وشك أن تنكسر.

جلس صقرٌ جاثماً على رأسه, مخلوق متميّز المظهر مع جسمٍ لامعٍ بالفضة وشريط واحدً أسود بين عينيه ويتدلى من جبهته. كان الصقر ينحني على عينيّ إيلدين محاولاً انتزاعها خارجاً. التفت الصقر إلى تور, ممسكاً إحدى عيني إيلدين بداخل منقاره.
أراد تور أن ينظر بعيداً ولكنه لم يستطع. كان يريد فقط أن يتحقق من أنّ إيلدين ميّت. فجأةً دبّت الحياة في الغابة بأكملها, و خرج منها ومن جميع الاتجاهات جيش الجورالز. كانوا ضِخامً ويرتدون فقط ما يستر عورتهم, كان لديهم عضلات صدرٍ هائلة, و ثلاثة أنوفٍ على وجوههم بشكل مثلث واثنان منها طويلة, وأنيابٌ حادةٌ منحنية. كانوا يهسهسون ويزمجرون ويركضون مباشرةً باتجاهه, كانت الأصوات تتعالى ولم يكن هناك مكانٌ يستطيع تور الذهاب إليه. انحنى تور إلى الأسفل ليمسك بسيفه, ولكنه نظر إلى الأسفل ليكتشف أنه اختفى.
صرخ تور.
استيقظ تور وجلس فوراً, تنفس بصعوبة ونظر مسعوراً في جميع الاتجاهات. كان كل شيءٍ حوله صامتاً, ولكنه صمتٌ حقيقي وحيّ وليس كالصمت الذي رآه في منامه.
ومع بزوغ أولى أشعة الفجر, كان بجانبه ريس و أوكونور وإيريك ممددين على الأرض ورماد النيران موجودٌ بقربهم.
كان هناك صقرٌ يقفز على الأرض. التفت الصقر وأدار رأسه باتجاه تور, كان كبيراً وفضياً ومفتخراً بنفسه, مع شريطٍ أسودٍ يتدلى على جبهته, كان الصقر يحدّق باتجاهه وينظر مباشرةً باتجاه عينيه, ويطلق صوتاً عالياً. ذاك الصوت جعل تور يرتعش: لقد كان نفس الصقر الذي رآه في حلمه.
أدرك أن هذا الطائر بمثابة رسالةٍ وأن منامه الذي رآه أكثر من مجرد حُلم. كان هناك شيءٌ خاطئ, بإمكانه أن يشعر بذلك, كانت قشعريرةٌ تتغلغل إلى ظهره وتمشي بسرعةٍ إلى ذراعيه.
انتصب بسرعةٍ على قدميه ونظر في كلّ مكان, متسائلاً ماذا يمكن أن يكون. لم يسمع شيئاً خاطئً ولم يبدو أن هناك شيئاً في مكانه, كان الجسر في مكانه والجنود جميعهم في أماكنهم.
تساءل تور ما كان ذلك.
ثمّ أدرك أن شيء ما كان خاطئاً, كان أحدهم مفقوداً, إنه إيلدين.
في البداية تساءل تور إذا كان ممكناً أن يكون إيلدين قد تركهم, وعاد عبر الجسر إلى الجانب الآخر من الوادي. ربما شعر بالخجل من فقدان سيفه وغادر هذا المكان بأكمله.
ولكن تور نظر باتجاه الغابة ورأى منطقةً جديدةً من الطحالب, وعليها آثار اقدامٍ تتجه نحو الدرب على الندى المتشكل في الصباح. لم يكن هناك شكٌ بأن تلك كانت خطوات إيلدين, أيّ أن إيلدين لم يفارقهم ولكنه عاد إلى الغابة وحيداً, ربما ليخفف عن نفسه أو- تذكر تور مذهولاً- ليحاول استعادة سيفه.
كانت خطوةٌ غبيّة أن يذهب وحده بهذه الطريقة, هذا يثبت كم كان إيلدين يائساً. استشعر تور أن هناك خطرٌ كبير فحياة إيلدين كانت على المحك.
صاح الصقر في تلك اللحظة وكأنّه كان يؤكّد أفكار تور. بعد ذلك نفض جناحيه وارتفع عن الأرض, حلّق الصقر مباشرةً اتجاه تور. انزل تور رأسه ليتفادى مخالبه الكبيرة, ارتفع في الهواء عالياً وحلّق بعيداً.
بدون أن يفكر فيما سيقوم به, انطلق تور إلى داخل الغابة دون أيّ تروٍّ, متتبعاً آثار الأقدام. لم يتوقف تور ولم يشعر بالخوف أبداً بينما كان ينطلق وحيداً في عمق البراري. إذا توقف للتفكير كم كانت فعلته مجنونةً, ربما سيتجمد في مكانه ويجد نفسه غارقاً بخوفه وذعره. وبدلاً من ذلك تتبع ردّة فعله للموضوع, لقد شعر أن إيلدين بحاجةٍ ملحّة للمساعدة. ركض وركض وحيداً في عمق الغابة, مع أضواء الشمس الأولى.
“إيلدين!” صرخ تور.
لم يستطع تور أن يُعبّر عن ذلك, ولكن بطريقةٍ ما أحس أن إيلدين على وشك الموت. ربما من المفترض ألّا يهتم تور لأمره بسبب الطريقة التي يعامله بها, ولكن إذا لم يتمكن إيلدين من مساعدة نفسه, سيفعل تور ذلك. لو كان هو في هذه الحالة فبالتأكيد لن يأتي إيلدين لإنقاذه. كان تور مجنوناً لوضع حياته على المحك من أجل شخصٍ لا يهتم لأمره أبداً, وفي الواقع سوف يكون مسروراً إذا رآه ميتاً. لم يشعر أبداً بهذا الشعورٍ من قبل, حيث كان شعوره يصرخ داخله من أجل أن يفعل شيئاً, وخصوصاً من أجل شيءٍ لم يكن يعرفه أبداً. لقد تغيّر بطريقة أو بأخرى ولكنه لا يعلم كيف حصل ذلك. شعر كما لو كان يتم توجيه جسده من قِبل شيءٍ جديد, بواسطة قوة غامضةٍ, وهذا جعله يشعر بعدم الارتياح و بالخروج عن السيطرة. هل كان يفقد عقله؟ هل كان مبالغاً في ردّة فعله؟ هل الذي فعله كان بسبب الحُلُم؟ ربما كان يجب عليه ان يعود.
لكنه لم يفعل ذلك, ترك قدميه تقوده ولم يستسلم للخوف أو الشكوك. ركض وركض حتى كادت رئته أن تنفجر.
التفّ تور عند أحد المنعطفات, ولكنّ ما رآه جعله يتسمّر في مكانه, وقف هناك محاولاً التقاط أنفاسه, كان يحاول إدراك الصورة التي أمامه والتي لم يكن لها أيّ معنىً. كانت كافيةً لإلقاء الرعب في قلوب أعتى المحاربين. حيث كان يقف إيلدين هناك, ممسكاً بسيفه الصغير ويحدّق في مخلوق لا يشبه أيّ شيءٍ كان قد رآه تور من قبل. كان مروّعاً, قامته أعلا من قامتهما معاً, على الأقل تسعة أقدام وعرضه كأربعة رجال. كانت قامته تبرز عضلاته, وساعداه الأحمران وفي نهاية كلٍّ منهما ثلاثة أصابع طويلةً كالمسامير, وفي نهاية كلِّ جانبٍ كان له رأس مثل ذاك الذي لدى الشيطان, بأربعة قرون وفكٍّ كبير وجبهةٍ واسعة. كان لديه عينان صفراوتان كبيرتان, وكانت مخالبه تشبه الأنياب. ارجع ظهره إلى الخلف وصرخ عالياً.
بجانبه كان هناك شجرة عظيمة يبدو عمرها مئات السنين, ولكنها انقسمت نصفين بسبب صوته.
وقف إيلدين متجمداً من الخوف. أنزل تور سيفه إلى الأسفل, كانت الأرض تحته رطبة.
زمجر المخلوق وسال لعبه, وخطى خطوةً باتجاه إيلدين.
امتلأ تور أيضاً بالخوف, ولكن ليس كإيلدين الذي شُلّت حركته. لسببٍ ما قوّى الخوف حواسه, جعله يشعر برغبةٍ في البقاء على قيد الحياة. أعطاه نظراً ثاقباً جعله يقوم بالتركيز بأعلى درجةٍ على المخلوق الذي أمامه, بموضعه بالنسبة لإيلدين, بحجمه واتساعه وقوته وسرعته, بكل حركاته. يركّز على تفاصيل جسده وعلى أسلحته.
اندفع تور للهجوم وانطلق مباشرةً للوقوف بين إيلدين وهذا الوحش. زمجر الوحش وكانت أنفاسه حارةً جداً, استطاع تور أن يشعر بها من مسافة بعيدة. اقشعّر جسم تور كاملاً من هذا الصوت وجعله يريد أن يستدير ويعود أدراجه. لكن سمع صوت إيريك في رأسه, يخبره بأن يكون قويّاً و أن لا يبقي في قلبه أي خوف, أن يحافظ على رباطة جأشه ويقف في مكانه.
رفع تور سيفه عالياً ووجهه باتجاه الوحش, غرس سيفه داخل أضلاعه مستهدفاً قلبه مباشرةً.
صاح المخلوق عالياً وهو يتألم بشدّة, انهمرت دمائه على وجه تور بينما كان تور يغرس سيفه بشدّة, بأقصى ما يستطيع.
ولكن المفاجأة التي واجهها تور أنّ الوحش لم يمت, بدا الوحش كأنّه لا يقهر.
ودون أيّ عناء تمايل الوحش يمنةً ويسرى وضرب تور بقوّةٍ هائلة حتى أحسّ تور أن أضلاعه تكسرت, طار تور بعيداً عبر الغابة, مصطدماً بإحدى الشجرات قبل أن ينهار على الأرض. شعر بصداع رهيب بينما كان ملقاً على الأرض هناك.
نظر تور إلى الأعلى وهو في حالة ذهولٍ وحيّرةٍ وهو يحس بالعالم يدور به. مدّ الوحش يده إلى سيف تور المغروس بأضلاعه واستخرجه منها. بدا السيف صغيراً في يده كسواك الأسنان. أمسك الوحش بالسيف ورماه بعيداً, حلّق السيف بين الأشجار وانخفض بين الأغصان, واختفى داخل الغابة.
حوّل الوحش اهتمامه كاملاً إلى تور وأراد الانطلاق نحوه.
كان إيلدين لا يزال واقفاً في مكانه, متجمداً من الخوف. ولكن بينما كان الوحش يتوجه إلى تور, فجأة تحرك إيلدين. انطلق نحو الوحش وقفز على ظهره. تباطأ الوحش قليلاً بحيث تمكن تور من الوقوف على قدميه. كان الوحش غاضباً, أرجع يديه إلى الخلف وأمسك بإيلدين وألقاه بعيداً, طار إيلدين عالياً واصطدم بشجرةٍ وسقط على الأرض.
كان الوحش لا يزال ينزف ويلهث بشدّة, وأعاد توجيه انتباهه إلى تور. زمجر الوحش بشدّة وكشف عن أنيابه بينما كان يقترب من تور.
كان تور استنفذ جميع الخيارات, لقد ذهب سيفه بعيداً ولا يوجد شيءٍ يحول بينه وبين الوحش. انحنى الوحش باتجاه تور, وفي اللحظة الأخيرة استطاع تور أن ينسحب من أمامه. ضرب الوحش الشجرة حيث كان تور موجوداً بقوةٍ كبيرةٍ أدت إلى اقتلاعها.
رفع الوحش قدمه وأسقطها باتجاه رأس تور مباشرةً, ولكن تور استطاع مرةً اخرى أن يتلافى هذه الضربة ويبتعد قليلاً, ترك الوحش أثر قدمٍ حيث كان رأس تور موجوداً.
انتفض تور واقفاً على قدميه, وضع حجراً في مقلاعه وألقاه. رمى الحجر بقوةٍ أكبر من أيّ وقتٍ مضى وضرب الوحش بين عينيه, ترنّح المخلوق مرةً أخرى. كان تور متأكداً أنه استطاع قتله.
ولكن المدهش أن الوحش لم يتوقف.
حاول تور أن يستجلب أقصى قواه, أيّ كانت القوة التي لديه. اتجه نحو الوحش قافزاً باتجاهه مباشرةً, دفعه بقوة محاولاً التصدي له وإلقاءه على الأرض بقوةٍ خارقة.
ولكن تور أصيب بصدمةٍ كبيرة, هذه المرة لم تنفع قوته أبداً, كان مجرد صبيّ ضعيف أمام هذا الوحش الهائل.
وبمجرد أن سقط تور على الأرض أمسكه الوحش من خصره ورفعه عالياً فوق رأسه. كان تور يتدلى في الهواء عاجزاً عن فعل شيء, ثمّ رماه بعيداً. اندفع تور في الهواء كالقذيفة واصطدم بشجرةٍ مرةً أخرى.
أُلقي تور هناك, رأسه ينزف وقد تكسرت اثنان من اضلاعه. ركض الوحش باتجاهه, عرف تور أن الوقت انتهى. كان الوحش يرفع قدمه ذات العضلات الكبيرة ويستعد لإنزالها على رأس تور, كان تور يستعد للموت.
ثمَّ لسببٍ ما تجمد الوحش في مكانه, نظر تور باستغرابٍ محاولاً فهم ما حصل.
رفع الوحش يديه إلى الأعلى ممسكاً برقبته, ولاحظ تور سهماً بارزاً من رقبته. وبعد لحظة سقط الوحش على الأرض ميتاً.
جاء إيريك راكضاً لمعرفة ما جرى, ويتبعه كلٌّ من ريس و أوكونور. رأى تور إيريك ينظر إليه ويسأله إذا ما كان بخير, أراد تور أن يجيبه أكثر من أيّ شيءٍ أخر ولكن الكلمات لم تخرج من فمه. وبعد عدة لحظات اغمض عينيه وهو ينظر إلى إيريك ودخل في عالمه المظلم.

*********************
إلي هنا ينتهي الفصل الثامن عشر من رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس

تابع جميع فصول الرواية من هنا: جميع فصول رواية السعي من أجل البطولة

تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
أو أرسل لنا رسالة مباشرة عبر الماسنجر باسم القصة التي تريدها
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق