روايات مترجمةسلسلة طوق الساحرغير مصنفقصص خيالية

رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس – الفصل الحادي والعشرون

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة والقصص الخيالية و روايات مترجمة علي موقعنا قصص 26  وموعدنا اليوم مع الفصل الحادي والعشرون من رواية السعي من أجل البطولة وهي الكتاب الأول من سلسلة طوق الساحر” للكاتب مورغان رايس وهي السلسلة التي تمتلك كل المقومات لتحقيق النجاح.
سنغوص سويا داخل سلسلة طوق الساحر وعبر أجزائها المتتالية في عالم من المؤامرات و المؤامرات المضادة و الغموض و الفرسان الشجعان و العلاقات المزدهرة التي تملئ القلوب المكسورة, الخداع و الخيانة. 
سوف تقدم لك الترفيه لكثيرٍ من الوقت, وستتناسب مع جميع الأعمار. لذلك نوصي بوضعها في المكتبة الدائمة لجميع قرّاء القصص الخيالية.

رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس – الفصل الحادي والعشرون

رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس
رواية السعي من أجل البطولة

رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس (الكتاب الأول في “سلسلة طوق الساحر“) 

الفصل الحادي والعشرون

مشى تور برفقة ريس إلى خارج البوابة المقوسّة للبلاط الملكي متجهين إلى الطريق المؤدي إلى ثكنات الفيلق. وقفّ الحرّاس باستعداد أثناء مرورهم ممّا جعل تور يشعر بالانتماء لهذا المكان, وليس كما كان يشعر من قبل أنّه مجرد دخيل. أعاد تور التفكير بالذي حصل قبل عدة أيام فقط, عندما قام الحرّاس بطرده من هنا, كم تغيّرت مكانته, بسرعةٍ كبيرة.
سمع تور صوتاً من الأعلى, رفع نظره إلى السماء فرأى إيستوفيليس يحلق عالياً وينظر إلى الأسفل. نظر تور إليه في حماس ورفع ساعده, كان لا يزال يرتدي قفّازه المعدني, ولكن الصقر ارتفع وطار مرةً أخرى, وأخذ يعلو ويعلو حتى غاب عن الأنظار. تعجّب تور من هذا الحيوان, إنّه حيوانٌ غامض, كان يشعر باتصال وثيق بينهما كان من الصعب التعبير عنه.
تابع تور وريس مسيرهما بصمت, يحافظان على مشيتهما السريعة باتجاه الثكنات. كان يعرف تور أنّه من الممكن أن يكون إخوته بانتظاره وتعجّب عن كيفية استقبالهم له. هل سيشعرون بالغيرة ويحسدونه على ذلك؟ هل سيصابون بالجنون لأنّه حصل على كل هذا الاهتمام؟ هل سيسخرون منه لأنّه ذهب عبر كانيون؟ أم هل سيتقبلونه بينهم أخيراً؟
كان تور يأمل أن يكون الخيار الأخير. كان متعباً من الكفاح مع بقية أفراد الفيلق وكان يريد ,أكثر من أيّ شيءٍ آخر, أن يكون مقبولا وأن يشعر بالانتماء إليهم, أن يشعر أنّه واحدٌ منهم.
لاحت الثكنات في الأفق, ولكن عقل تور بدأ ينشغل بشيءٍ آخر, جويندولين.
لم يعرف تور إذا كان يمكنه التحدث مع ريس حول هذا الموضوع, نظراً لأنها كانت أخته. وفي نفس الوقت لم يستطع إخراجها من عقله أبداً, لم يستطع التوقف عن التفكير بلقائه الذي تمّ مع ذلك الذي توعّده, ألتون, وتساءل عن مدى صحة الكلام الذي قاله. هناك جزءٌ في داخله يمنعه من مناقشة الأمر مع ريس, لا يريد أن يخاطر بإغضابه منه أو أن يفقد صديقه الجديد بسبب شقيقته.
“من هو ألتون؟” سأل تور.
“ألتون؟ لماذا تسأل عنه؟” ردَّ ريس.
سكت تور قليلاً, غير متأكدٍ من كيفية قول ذلك.
لحسن الحظ تابع ريس كلامه.
“إنه مجرد فتىً يتوعّد وابن عمّ الملك الثالث, لماذا؟ هل أزعجك بشأن شيءٍ ما؟” نظر ريس إلى تور واتسعت عيناه. “جوين؟ هذه هي؟ كان يجب أن أحذّرك بشأن هذا الأمر؟”
التفت تور إلى ريس وهو يريد أن يسمع المزيد.
“ماذا تقصد؟”
“إنّه ولدٌ جاهل, إنّه يلحق أختي منذ أن تمكّن من المشي. إنّه واثق من أنّه سيكون زوجاً لأختي. ويبدو أن أمي تعتقد ذلك أيضاً.”
“هل سيكونون كذلك؟” سأل تور وهناك بعض الإلحاح في صوته.
نظر تور في وجهه وابتسم.
“لقد وقعت في غرامها, أليس كذلك؟” قال ريس وهو يبتسم. “لقد حصل ذلك بسرعةٍ جداً.”
خجل تور كثيراً, وأمل ألّا يكون ذلك واضحاً.
” إذا كان ذلك سيحصل أم لا, فذلك يعتمد على مشاعر أختي بالنسبة إليه,” أجاب ريس أخيراً. “مالم يجبروها على الزواج منه, ولكنني أشك في أنّ يفعل والدي ذلك.”
“وما هو شعورها اتجاهه؟” سأل تور وهو يخاف أن يكون فضولياً جداً ولكنه كان بحاجةٍ لمعرفة ذلك.
أجابه ريس “أعتقد أنّه عليك أن تسألها. لم أتكلم معها حول هذا الموضوع.”
“ولكن هل من الممكن أن يجبرها والدك على الزواج منه؟ هل من الممكن حقاً أن يفعل شيئاً كهذا؟” سأل تور.
“أبي يمكنه القيام بأيِّ شيءٍ يريده, ولكن ذلك يبقى بينه وبين جوين.”
التفت ريس إلى تور ونظر إليه.
“ولكن لماذا كلّ هذه الأسئلة؟ ما الذي تحاول التحدّث عنه؟”
احمرّ تور خجلاً, دون أن يعرف ماذا يقول.
“لا شيء.” قاله تور بعد أن سكت قليلاً.
“لا شيء!” ضحك ريس. “صوتك يوحي بأنه هناك الكثير من لا شيء!”
ضحك ريس بصوتٍ أعلى, وشعر تور بالحرج. تساءل تور هل تحبه جوين حقّاً. رفع ريس يده ووضعها على كتف تور بقوّة, قائلاً “اسمع, يا صديقي العزيز, الشيء الوحيد الذي يمكنك معرفته والتأكد منه عن جوين هو أنها تعرف ما تريد, وتحصل على ما تريد, هذا هو الحال دائماً. إنها قويّة الإرادة مثل والدي, لا يمكن لأحد أن يجبرها على شيء لا تريده, كأن تحب شخصاً ما. إذا اختارتك جوين فسوف تجعلك تعرف ذلك, ثق بي. هل هذا جيد؟”
أومأ تور برأسه وهو يشعر ببعض الارتياح, كما هو الحال دائماً بعد أن يتحدث مع ريس.
نظر تور إلى الأمام ورأى بوابات ثكنات الفيلق أمامه. كان متعجّباً من رؤية الكثير من الفتية الآخرين واقفين أمام البوابة, كما لو كانوا بانتظارهم, واندهش أكثر عندما رآهم يحدقون به بابتسامةٍ عريضة وقد بدأوا يهتفون له. اندفع الفتية إلى الأمام وأمسكوا تور من كتفيه وهم يحيطون به ويمشون معه إلى داخل الثكنة. كان تور مندهشاً من ذلك بينما كانوا يعانقونه ويباركون له جميعاً.
“حدثنا عن كانيون, كيف كان الجانب الآخر وماذا كان يشبه؟” سأل أحدهم.
“ماذا كان يشبه المخلوق؟ ذاك الذي قتلته؟” سأله آخر.
“أنا لم أقتله” قال تور. “إيريك فعل ذلك.”
“سمعت أنك أنقذت حياة إيلدين,” قال فتىً آخر.
“لقد سمعت أنك هاجمت ذاك المخلوق وجهاً لوجه, ودون أيّ أسلحةٍ حقيقية.”
“أنت واحدٌ منّا الآن!” صاح أحدهم, وهلل الفتية الآخرين بذلك, مرحبّين به بينهم, كما لو كان شقيقهم المفقود منذ زمنٍ بعيد.
بالكاد تمكّن تور من تصديق ذلك. كلما كان تور يسمع هتافاتهم كان يدرك أنّ لديهم هدف, ربما فعلوا ذلك لأنه كان أشجع من الجميع, لم يفكر بهذا من قبل. للمرة الأولى منذ فترةٍ طويلة كان تور يشعر بالرضا عن نفسه. والأهم من ذلك كله, وأخيراً شعر تور أنّه ينتمي إلى هؤلاء الفتيان. شعر تور ببعض الهمّ ينزاح عن كاهله.
بينما كان تور يدخل إلى ساحة التدريب الرئيسية كان يقف أمامه العشرات من أفراد الفيلق, جنباً إلى جنب مع العشرات من فرقة الفضة. وهم يقفون جميعاً ويهتفون أمامه. لقد كان الجميع يقترب منه ويربت على ظهره.
تقدم كولك إلى الأمام بينما سكت الآخرون. استعد تور لأنّ كولك لا يملك أيَّ شيءٍ اتجاهه سوى الاحتقار. ولكن الآن نظر كولك إليه بنظرةٍ أخرى, مما فاجأ تور. مع أنّه لا يزال لا يستطيع إجبار نفسه على الابتسام ولكنه لم يكن متهجم الوجه. واستطاع تور أن يلاحظ شيئاً ما يشبه الإعجاب في عينيه.
تقدم كولك إلى الأمام وهو يحمل دبوساً صغيراً على شكل صقرٍ أسود, وعلّقه على صدر تور.
إنّه دبوسٌ من الفيلق, لقد تمّ قبول تور. أخيراً أصبح واحداً منهم.
“تورجرين من المنطقة الجنوبية للملكة الغربية, نرحّب بك في الفيلق بيننا.” صاح كولك عالياً.
ارتفع صياح الفتيان عالياً وركضوا جميعاً باتجاهه وبدأوا يعانقونه ويأخذونه بين أذرعهم من واحدٍ إلى آخر.
لم يستطيع حتى أن يعانق الجميع. كان تور يريد أن يستمتع بهذه اللحظة, الآن وأخيراً أصبح هناك مكانٌ حقيقيٌّ ينتمي إليه.
التفت كولك إلى الفتية وأخذ يأمرهم. “حسناً أيّها الفتية, اليوم هو يومٌ خاص. لا مزيد من المَذَار والتنظيف وجمع فضلات الأحصنة بالنسبة لكم, لقد حان وقت التدريب الحقيقي. إنّه يوم الأسلحة.”
صرخ الفتية بحماسٍ مرةً أخرى, واتبعوا كولك بينما كان يتوجه إلى مبنى دائري ضخم مصنوعٌ من خشب البلوط وذو أبوابٍ برونزيةٍ لامعة. مشى تور مع باقي المجموعة بينما كانوا يقتربون من المبنى والضجيج المُحَمّس يملأ المكان. كان ريس إلى جانبه, ثمّ جاء أوكونور وانضم إليهما.
“لم اعتقد أنني سأراك على قيد الحياة مرةً أخرى,” قال أوكونور مبتسماً, وهو يربت بيده على كتف تور. “في المرة القادمة دعني استيقظ أولاً, لا تستيقظ قبلي.”
ابتسم تور.
“ما هذا المبنى؟” سأل تور ريس عندما اصبحوا قريبين من المبنى. كان هناك مساميرٌ حديديةٌ كبيرةٌ تغطي كلّ الباب, كان هذا المكان مهيباً جداً.
“إنّه بيت الأسلحة,” أجاب ريس. “إنّه المكان الذي نخزّن فيه جميع أسلحتنا. من حينٍ لآخر يسمح لنا مرةً واحدةً بالمجيء إلى هنا والتدرب مع بعض هذه الأسلحة, بحسب الدرس الذي يريدون تعليمنا إيّاه.”
ارتبك تور عندما لاحظ إيلدين قادماً باتجاههم. هيّأ تور نفسه وهو يتوقع أن يقوم تهديده, ولكن تور تفاجأ هذه المرة حيث إيلدين ينظر إليه نظرة تقدير.
“يجب عليّ أن أشكرك,” قال إيلدين بتواضع وهو ينظر إلى الأرض. “لأنك أنقذت حياتي.”
تفاجأ تور بذلك, لم يكن يتوقع منه ذلك أبداً.
“لقد كنت مخطئاً بحقك,” أضاف إيلدين. “الآن نحن أصدقاء؟” ثمَّ سأله.
مدّ إيلدين يده.
تور ليس ممّن يحمل الضغينة في قلبه, مدّ يده بسرور ووضعها في يد إيلدين.
“أصدقاء,” قال تور.
“أنا لا آخذ هذه الكلمة على محمل الجد,” قال إيلدين. “سوف أكون دائماً في ظهرك, وأنا مدينٌ لك بواحدة.”
بعد ذلك التفت وسارع بالذهاب بين الحشود الموجودة.
لم يتمكن تور من معرفة ما الذي غيّره, واستغرب من كيفية تغيّر الأمور كلها بهذه السرعة.
“أعتقد أنّه ليس سيئاً إلى هذا الحد,” قال أوكونور. “ربما أصبح الآن جيداً بعد كلّ ما حصل.”
وصلوا إلى بيت الأسلحة. كانت الأبواب الضخمة تتأرجح وهي تُفتح, دخل تور وهو يشعر برهبةٍ كبيرة. كان يسير ببطء مرفوع الرأس وينظر إلى كلّ شيء ويتفحّص المكان كلّه. كان هناك المئات من الأسلحة, أسلحةٌ لم يعرفها حتى, معلقةٌ على الجدران. انطلق الفتية الآخرون إلى الداخل بحماسٍ كبير يركضون نحو الأسلحة ويحملونها, يتأملونها قليلاً ويتفحّصونها. تبعهم تور وهو يشعرً كطفلٍ صغير داخل متجر حلوى.
سارع تور إلى أحد الرماح الكبيرة, رفعه تور بكلتا يديه وأحسّ بوزنه الثقيل, كان ضخماً ومتقن الصنع. كان نصل الرمح مستعملاً ومسنوناً, تساءل تور عن عدد الرجال الذين قُتلوا به في المعارك.
أعاده تور إلى مكانه والتقط صولجاناً ذو نهايات مدببّة, لقد كانت عصاً ومعلّقٌ بها كرةٌ معدنية ذو رؤوس حديدية بواسطة سلسلةٍ طويلة. التقط تور رمحاً خشبياً أخر, كان طويلاً جداً وشعر تور بوزن المعدن يتدلى من نهايته. بجانبه كان ريس يرى فأساً حربياً, و أوكونور يختبر وزن أحد الرماح الطويلة و يوجهه في الهواء إلى عدوٍّ وهميّ.
“استمعوا إليّ!” صاح كولك والتفت إليه الجميع.
“سنتعلم اليوم كيفية قتال العدو من مسافةٍ بعيدة. هل يمكن لأيّ أحدٍ هنا أن يخبرني ما هي الأسلحة التي يمكن استخدامها؟ ما الذي يمكن أن يقتل شخصاً من على بعد ثلاثين خطوة؟”
“القوس والسهم,” صاح أحدهم.
“نعم,” أجاب كولك. “ماذا أيضاً؟”
“الرمح!” قال واحدٌ أخر.
“ماذا أيضاً؟ هناك أكثر من ذلك, أريد سماعها منكم.”
“المقلاع,” أضاف تور.
“ماذا أيضاً؟”
حاول تور أن يعصف دماغه ولكنه لم يتذكر خياراتٍ أخرى.
“الرمي بالسكاكين,” صاح ريس.
“ماذا أيضاً؟”
لم يتكلم أحدٌ آخر, لم يكن لديهم أيّ أفكارٍ أخرى.
“هناك الرمي بالمطارق,” قال كولك. والرمي بالفؤوس, وهناك القوس والنشّاب, ويمكننا أن نرمي بالحراب وكذلك بالسيوف.”
تجوّل كولك في الغرفة وهو يتأمل في وجوه الفتية الذين كانوا ينصتون باهتمامٍ كبير وهم سارحون بالتفكير.
“هذا ليس كلُّ شيء, صخرةٌ بسيطةٌ من الأرض يمكن أن تكون أفضل صديق. في أحد المرات رأيت رجلاً كبيراً مثل الثور, وقد كان بطلاً, قُتل على الفور بواسطة صخرةٍ قام برميها أحد الجنود البارعين. والجنود في كثيرٍ من الأحيان لا يدركون أنّ الدروع أيضاً يمكن استخدامها كسلاح. القفازات الحديدية يمكن خلعها ورميها في وجه العدو, هذا سيفاجئه وفي تلك اللحظة يمكنك الانقضاض عليه وقتله, ويمكنك أن تقوم برمي درعك أيضاً.”
أخذ كولك نفساً عميقاً.
“من المهم عندما تتعلمون القتال, ألّا تتعلمو فقط القتال من مسافةٍ صغيرةٍ بينك وبين خصمك, يجب عليك أن توسع قدرتك على القتال لمسافة كبيرةٍ جداً. معظم الناس تقاتل الخصم مع وجود مسافة ثلاثة خطوات, ولكن المحارب الجيد يجب أن يوسّع هذه المسافة حتى ثلاثين خطوة. هل فهمتم ذلك؟”

“نعم, سيدي!” جاء الصوت عالياً وواحداً.
“هذا جيد, اليوم سوف نشحذ مهاراتكم الخاصة بالرمي. انتشروا في المكان والتقطوا جميع ما ترونه ويمكن رميه. ليلتقط كل واحدٍ منكم شيئاً وليكن في الخارج خلال ثلاثين ثانية.” انطلقوا!”
اشتعلت الغرفة بالحماس والتدافع, ركض تور باتجاه أحد الجدران يبحث عن شيءٍ لأخذه. وقد دُفع واصطدم في كل الاتجاهات من قِبل هؤلاء الفتية المتحمسين, حتى رأى اخيراً ما يريده. كان فأساً صغيراً. أمسك أوكونور خنجراً بينما تناول ريس سيفاً وتسابق ثلاثتهم مع باقي الأولاد متجهين إلى الحقل الخارجي.
اتبع الفتية كولك إلى الجانب الآخر من الميدان, حيث كان هناك العشرات من الدروع المصفوفة.
تجمّع الأولاد جميعاً حول كولك مترقبين وهم يحملون أسلحتهم.
“سوف تقفون هنا,” دوّى صوت كولك عالياً, مشيراً إلى خطٍّ في التراب. “وسوف تستهدفون تلك الدروع وأنتم ترمون أسلحتكم. ثمّ ستركضون باتجاه الدروع وتأخذون أسلحةً أخرى, ستتدربون على الرمي بهذه الطريقة. لا تختاروا أبداً السلاح نفسه, واستهدفوا الدروع دائماً. وبالنسبة لمن لا يصيب الدروع سوف يكون عليه أن يركض دورةً كاملةً حول هذه الساحة. إبدأوا!”
اصطف الأولاد جنباً إلى جنب خلف الخط الترابي, وبدأوا برمي أسلحتهم باتجاه الدروع, يجب أن تكون رميةً جيدةً تصل إلى الدروع بمسافة ثلاثين ياردة. وقف تور في الصف معهم, رجع الصبي الذي أمامه إلى الخلف قليلاً وألقى رمحه, ولكنه لم يصب الهدف.
التفت الصبي وبدأ بالركض حول الساحة. بينما بدأ بذلك كان هناك العديد من الفتية يركضون بجانبه أيضاً, وهم يرتدون درعاً حديداً على أكتافهم, كان ذلك يشكل ثقلاً كبيراً عليهم وهم يركضون.
“اركضوا وأنتم ترتدون هذه الدروع أيها الفتية!” أمرهم بذلك.
كان الصبي الذي بجانبه مثقلاً جداً ويتعرق كثيراً, وهو يواصل الركض تحت أشعة الشمس.
لم يكن يريد تور أن يخطأ الهدف, انحنى إلى الخلف وركّز في هدفه, ارجع الفأس إلى الخلف ورماه بقوّة. أغلق عينيه وهو يأمل أن لا يخطأ هدفه, وشعر بالارتياح عندما سمع صوت فأسه وهو ينغرس في الدرع الجلدي. بالكاد استطاع فعلها, لقد أصاب الزاوية السفلى من الدرع, ولكن على الأقل استطاع فعلها. الكثير من الفتية الذين كانوا حوله أخطأوا أهدافهم وانطلقوا يركضون حول الساحة. وتسابق الفتيان القليلون الذين استطاعوا إصابة الدروع لأخذ سلاحٍ جديد.
وصل تور إلى الدروع ووجد خنجراً صغيراً مغروساً في أحد الدروع, قام بنزعه ثمّ عاد بسرعةٍ إلى خط الرمي.
استمر تور بالرمي لعدة ساعات, حتى شعر بأنّ يده ستسقط من مكانها وقد كان قد ركض العديد من اللّفات ايضاً. كان العرق يقطر منه وكذلك الآخرين من حوله. لقد كان تدريباً مهماً جداً, أن تقوم بتجربة رمي مختلف أنواع الأسلحة وتعتاد على التعامل معها وعلى أوزان كلّ أنواع الرماح والنصول. كان تور يشعر بتحسّن في قدرته على التعامل مع الأسلحة مع كل مرّةٍ يقوم باستخدامها. ولكنّ حرارة الجو كانت خانقةً وكان تعبه يزداد. كان هناك عشرة فتيانٍ فقط لا يزالون يقفون أمام الدروع ومعظمهم قد قام ببعض الدورات حول الساحة. كان من الصعب جداً أن تقوم بالعديد من الرميات المتتالية مع الكثير من الأسلحة المختلفة وتقوم بالركض أيضاً, وكان الحرُّ يزيد الأمر صعوبةً. كان تور يلهث ولا يعرف إذا كان لا يزال بإمكانه القيام بالمزيد من الجري. عندما شعر تور بأنّه على وشك الانهيار, فجأةً, تقدم كولك إلى الأمام وصاح عالياً, “ذلك يكفي!”.
عاد الفتية من الركض وهم منهارين, استلقوا على العشب وهم يلهثون ويتنفسون بصعوبة ويزيلون تلك الدروع الثقيلة التي كانوا يحملونها على أكتافهم. جلس تور أيضاً على العشب و العرق يتساقط منه, كان ذراعه متعبان جداً. جاء بعض رجال الملك وهم يحملون بعض دلاء الماء و وضعوها على العشب. أمسك تور بأحدها وشرب منه, ثمَّ ناوله إلى أوكونور الذي شرب منه وأعاده إلى تور. كان تور يشرب ويشرب والماء يقطر من أسفل ذقنه ويجري على صدره, أعطاه الماء شعوراً مذهلاً. تنفس تور بعصوبةٍ بينما كان يعطي الدلو إلى ريس.
“إلى متى سيستمر هذا الوضع؟” سأل تور.

“هزّ ريس رأسه وهو يلهث. “لا أعرف.”
“أقسم أنهم يحاولون قتلنا,” جاء صوتٌ من خلفهم, استدار تور إلى الخلف ورأى إيلدين الذي جاء وجلس بجانبه. فوجئ تور لرؤيته هناك وقد كان مذهولاً من جديته فيالكلام أنّه يريد أن يصبحوا أصدقاء, كان غريباً رؤية مثل هذا التغير في سلوكه.
“أيها الفتية!” صاح كولك بينما كان يمشي ببطءٍ بينهم. “أغلبكم قام بإخطاء هدفه ولم يصب الدروع, في نهاية هذا اليوم. كما ترون, من الصعب أن تكون دقيقاً عندما تكون متعباً, وهذا هو المقصود من هذه التدريبات. خلال المعركة لن تكون مفعماً بالنشاط وسوف تُستنفذ قواك, فبعض المعارك من الممكن أن تستمر لأيام, وخاصةً إذا كنت تهاجم قلعةً ما. وهذا هو المطلوب أن تكون قادراً على الرمي بدقّةٍ عاليةٍ عندما تكون متعباً جداً, فكثيراً ما ستضطر لرمي كل ما يقع تحت يدك من الأسلحة. يجب أن تكون لديك خبرةٌ في استخدام جميع أنواع الأسلحة وفي أيّة حالة إرهاقٍ كنت. هل هذا واضح؟”
“نعم سيدي!” صرخوا جميعاً بصوت واحد.
“البعض منكم يمكنه رمي الخنجر أو الرمح, ولكنّ هذا الشخص غير متمكّنٍ في رمي المطرقة أو الفأس. هل تعتقدون أنه يمكنكم البقاء على قيد الحياة من خلال رميِ نوعٍ واحدٍ من السلاح؟”
“كلا, سيدي.”
“هل تعتقدون أنّ ذلك مجرد لعبة؟”
“كلا, سيدي.”
كان كولك مقطّب الحاجبين وهو يسير بخطىً ثابتة ويركل الفتيان الذين لا يجلسون بشكل مستقيم بما فيه الكفاية, على مؤخرتهم.
“لقد استرحتم بما فيه الكفاية,” قال كولك. “قفوا على أقدامكم مجدداً.”
سارع تور والآخرين بالوقوف, كانت ساقاه تؤلماه, وليس متأكداً إن كان بإمكانه الوقوف عليهما أكثر من ذلك.
“هناك طريقتان للقتال من على مسافة,” تابع كولك. “يمكنك القيام بالرمي, ولكن عدوّك أيضاً يمكنه القيام بذلك. عدوّك لن يكون آمناً في مسافة ثلاثية خطوةٍ منك, ولكنك أيضاً ستكون كذلك. يجب عليكم أن تتعلموا كيف تحمون نفسكم وأنت على بعد ثلاثين خطوةٍ من عدوكم. هل هذا مفهوم؟”
“نعم, سيدي!”
“كي تحمي نفسك من أيّ شيءٍ مَرميٍ عليك, ليس عليك فقط أن تكون مُدركاً للأمر وقادراً على تحريك قدميك بسرعة للانحناء أو الالتفاف أو المراوغة ولكن أيضاً أن تكون بارعاً في حماية نفسك بواسطة درعٍ كبير.”
أومأ كولك برأسه لأحد الجنود, فأحضر له الجندي درعاً ثقيلاً وضخماً. تفاجأ تور جداً, لقد كان الدرع بضعف حجمه تقريباً.
“هل يوجد متطوعين؟” سأل كولك.
وبدون أيّ تفكير رفع تور يده خلال أجزاءٍ من الثانية بينما كان الفتيان ساكنين ومترددين.
أومأ كولك برأسه إلى تور, وأسرع تور باتجاهه.
“هذا جيد” قال كولك. “على الأقل هناك واحدٌ منكم غبيٌّ بما فيه الكفاية ليكون متطوعاً. أحب شخصيتك أيّها الصبي. قرارٌ غبي ولكنّه جيد.”
بدأ تور يتساءل عمّا إذا كان حقاً قد اتخذ قراراً غبياً بينما كان كولك يناوله الدرع الضخمة. قام تور بتثبيتها على أحد ذراعيه ولم يتمكن من تصديق كم كانت ثقيلة, كان بالكاد قادراً على رفعها.
“تور, مهمتك هي الركض من بداية هذا الساحة إلى نهايتها, وأنت سالم. انظر إلى هؤلاء الفتية الخمسين الموجودين هناك؟ سوف يقومون جميعاً بمواجهتك وسيرمون الأسلحة عليك, أسلحةٌ حقيقية. هل تفهم ذلك؟ إذا كنت لا تستخدم الدرع الخاص بك من أجل حمايتك, فمن الممكن أن تموت قبل أن تصل إلى الجانب الآخر.”
حدّق تور بالفتية وهو غير مصدّقٍ ما قاله كولك, وكان الفتية صامتون جداً وهم مذهولون.
“هذه ليست لعبة,” تابع كولك. “هذا أمرٌ خطيرٌ جداً, إنها معركةٌ خطيرة, معركة حياةٍ أو موت. هل أنت متأكدٌ أنك لا تزال ترغب أن تكون المتطوع؟”
أومأ تور برأسه وهو متجمدٌ في مكانه من الرعب الذي أصابه. ولكن لا يمكنه تغيير رأيه في هذا الوقت وأمام الجميع.
“جيد,” قال كولك.
أشار كولك برأسه إلى أحد مرافقيه, الذي تقدم ونفخ ببوقٍ كبير.
“اركض!” صاح كولك.
رفع تور الدرع الثقيلة بكلتا يديه, محاولاً استيعاب كلَّ ما كان يحيط به. بينما فعل ذلك شعر بارتطام قويٍّ جداً بالدرع هزّ جسمه كله. يجب أن يكون ذلك مطرقةٌ كبيرة, إنها لم تخترق الدرع ولكنها أدّت إلى صدمةٍ قويّةٍ جداً في جميع أنحاء جسمه. بالكاد تمكّن من المحافظة على الدرع ولكنّه أجبر نفسه على رفعه مرةً أخرى والمضي قدماً.
بدأ تور بالركض, كان يركض بأسرع ما يمكنه وهو يحمل الدرع الثقيل. بينما كانت الأسلحة بمختلف أنواعها تمضي باتجاهه, قام تور بتجميع جسده كلّه داخل الدرع بقدر ما يستطيع, كان هذا الدرع بمثابة طوق النجاة بالنسبة له. وكلما كان يركض أكثر كان يتعلم المحافظة على جسده كاملاً داخل الدرع.
توجه أحد الأسهم باتجاهه ولكنه استطاع في آخر لحظةٍ ارجاع رأسه إلى الوراء قليلاً بحيث استطاع أن يتفادى ذاك السهم ببضعة أجزاءٍ من الإنش. سقط جسمٌ ثقيلٌ آخر على الدرع و ضربه بشدّةٍ, تعثّر تور مرةً أخرى وسقط على الأرض. ولكن نهض مرةً أخرى على قدميه واستمر بالركض. وبمجهود عظيم استطاع تور أن يعبر إلى الجانب الآخر وهو يلهث بشدّة.
“رائع, هذا يكفي!” صاح كولك.
أخفض تور الدرع وهو يقطر عرقاً. لقد كان ممتناً جداً لأنّه استطاع الوصول إلى الجانب الآخر, وهو لا يعرف إذا كان بإمكانه أن يحمل الدرع عدة لحظات أخرى لو طُلب منه ذلك.
سارع تور بالعودة إلى الفتية الآخرين وهو يتساءل كيف استطاع أن ينجو, بينما كان الكثير منهم ينظر إليه نظرة إعجاب.
“عمل رائع!” همس ريس في أذنه.
“أيّ متطوعين آخرين؟” صاح كولك عالياً.
ساد صمت بين الفتية جميعاً, بعدما شاهدوا تور لم يكن أحدٌ منهم يريد أن يجرّب ذلك.
شعر تور بالفخر بنفسه, عندما قام بالتطوع لم يكن يدري ما الذي سيقوم بفعله, ولكن الآن بعد أن قام بذلك, كان سعيداً جداً بتطوعه.
“حسناً, أنا سوف أختار المتطوعين منكم. أنت, سادين.” صاح كولك وهو يشير إلى أحد الفتية.
تقدم الفتى إلى الأمام وكان أكبر منهم سناً ونحيلاً, وهو ينظر برعب.
“أنا؟” قال سادين بصوت مرتعش.
ضحك الفتية الآخرين عليه.
“بالطبع أنت, من غيرك هنا اسمه سادين.” قال كولك.
“أنا آسف سيدي, ولكنني لا أرغب في القيام بذلك.”
ساد صمت رهيب في الثكنة.
اقترب منه كولك وهو مقطّب الحاجبين
“أنت لا تفعل ما تريد,” صرخ كولك عالياً. “أنت تفعل ما آمرك به.”
وقف سادين متجمداً في مكانه, ويبدو خائفاً حتى الموت.
“لا ينبغي عليه أن يكون,” همس ريس إلى تور.
التفت تور ونظر إليه, “ماذا تقصد؟”
“إنّه ينحدر من عائلة نبيلة, وهم قاموا بوضعه هنا ولكنه لا يريد المجيء إلى هذا المكان. إنّه ليس مقاتل وكولك يعلم ذلك, أعتقد أنّهم يحاولون إخراجه من هنا.”
“أنا آسف سيدي ولكنني لا أستطيع,” قال سادين وهو يتحدث برعب.
“يمكنك ذلك, وستفعله,” صرخ كولك.
كانت المواجهة شديدةٌ بينهما.
نظر سادين إلى الأرض وهو يخفض رأسه بخزي.
“أنا آسف سيدي, يمكنك إعطائي بعض المهام الأخرى وسأفعلها بكلِّ سرور.”
احمرّ وجه كولك واقترب من سادين حتى لم يبقَ سوى بضعة إنشات بين وجهيهما.
“سوف أعطيك مهمةً أخرى أيّها الصبي, أنا لا أكترث من تكون عائلتك. من الآن سوف تقوم بالركض حول هذا الحقل حتى تصاب بالانهيار, ولن تعود إلى الفيلق مرةً اخرى حتى تتطوع من أجل حمل الدرع. هل تفهم ذلك؟”
بدا سادين كما لو كان على وشك الانفجار بالبكاء, وهزً برأسه موافقاً.
اقترب منه أحد الجنود ووضع درعاً حديدياً عليه ثمّ جاء جنديٌّ آخر ووضع مجموعةً أخرى من الدروع على كتفيه. لم يفهم تور كيف تمكّن من تحمل كلّ هذا الثِقَل عليه, إنّه بالكاد تمكن من الركض مع درعٍ واحد.
انحنى كولك إلى الخلف وقام بركل سادين بقوة إلى الأمام, تعثّر عدّة خطوات إلى الأمام وبدأ هرولته البطيئة حول الميدان. شعر تور بشعورٍ سيءٍ اتجاهه وهو يشاهده يتعثّر ويركض بصعوبة, وهو لا يتمكن من مساعدته, ولكنّه تساءل هل سيتمكن من العودة إلى الفيلق.
فجأةً جاء صوت بوقٍ قويّ, التفت تور فرأى سريًّة من رجال الملك على ظهور الخيل, كانوا تقريباً اثنا عشر رجلاً من فرقة الفضة وهم يحملون الرماح الطويلة ويرتدون خوذات ذات ريش. توقفوا أمام الفيلق.
“تكريماً ليوم زفاف ابنة الملك, وتكريماً ليوم الانقلاب الصيفي, يعلن الملك أنّ بقية هذا اليوم سيكون يوم صيد!”
انفجر جميع الفتية حول تور بهتافاتٍ عالية. وكرجلٍ واحدٍ ركضوا جميعاً خلف خيول الملك وهي تلتفت وتتجه عبر الساحة إلى الخارج.
“ما الذي يحدث؟” سال تور ريس بينما بدأوا بالركض مع الفتية الآخرين.
ارتسمت ابتسامةٌ كبيرةٌ على وجه ريس.
“إنها نعمةٌ من الله, أن نحضر مثل هذا اليوم, سوف نذهب إلى الصيد!”

*********************
إلي هنا ينتهي الفصل الحادي والعشرون من رواية السعي من أجل البطولة | مورغان رايس

تابع جميع فصول الرواية من هنا: جميع فصول رواية السعي من أجل البطولة

تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات حب
أو أرسل لنا رسالة مباشرة عبر الماسنجر باسم القصة التي تريدها
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق