غير مصنف

رواية أثواب حريرية – إلهام رفعت – الفصل الثامن والأربعون

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة وأجمل الروايات الممتعة والروايات الرومانسية مع رواية رومانسية اجتماعية واقعية وصعيدية جديدة للكاتبة إلهام رفعت ورواياتها التى نالت مؤخرا شهرة على مواقع البحث نقدمها علي موقعنا قصص 26 وموعدنا اليوم مع الفصل الثامن والأربعون من رواية أثواب حريرية بقلم إلهام رفعت

رواية أثواب حريرية بقلم إلهام رفعت – الفصل الثامن والأربعون

اقرأ أيضا : حدوتة قبل النوم

رواية أثواب حريرية - إلهام رفعت
رواية أثواب حريرية – إلهام رفعت

 رواية أثواب حريرية بقلم إلهام رفعت – الفصل الثامن والأربعون

تابع من هنا: روايات رومانسية جريئة

فكرت مليًا في أمر رجوعها لمقر نشأتها، وجدت أنه الحل الأسلم لتتقي شر أخيها وتبتعد عن مكان تواجده، جلست أمل في إحدى عربات القطار متأهبة للرجوع، وظنت أنها هكذا أسعفت نفسها قبيل أن يصل الأخير إليها، أيضًا لم تتناسى ما ينتظرها هناك ومن هربت منه، حقًا إذا رآها سيدها أسعد لن يتهاون في التخلص منها، لذا قررت عدم مواجهتة، والتخفي خلف هذا الستار خيفةً منه، حيث غطت وجهها؛ كي لا تنكشف هيئتها لأي أحد، معلنة تحاشيها له حين تصل هناك..
ساعات طوال وهي على هذا المنوال المضطرب، جفاها النوم طيلة هذه المسافة، والتي تمنت بداخلها أن تظل بداخل القطار وتسير حياتها معه، انتبهت له يصدر طنين الوصول، فدق قلبها ثم بكل هدوء وإذعان تحركت لتغادره، خطت بقدمها الأرضية وهي تتجول بنظراتها على ما حولها، خشيت أن يتعرف عليها أحد، لكن سرعان ما وبخت نفسها قائلة:
-هيعرفوكي كيف بس، ما إنتِ مغطية وشك أها!
تعاملت أمل مع الموضوع باعتيادية وكأنها لا تبالي، تحركت لتغادر المحطة وهي تعي مسبقًا خطواتها القادمة..
وقت قليل استقلت فيه إحدى العربات لتقلها لمسكن أهلها، وهي تقترب من المنزل تتسعر دقاتها، وتأتي ومضات حياتها بداخله، حين نزلت من العربة وقفت مكانها تحدق به بعدة مشاعر متفاوتة، ما يخالجها الآن هو سؤال مؤلم، من سيستقبلها بالداخل؟، تحركت بخطوات متكاسلة وطلعة متوترة نحوه، نظرت للباب محاولة فتحه، بكل سهولة انفتح معها على مصراعيه، اتسعت مقلتيها وهي تتأمل منزلها، تغير كثيرًا وكان يخلو من الأثاث تقريبًا، تدرجت داخله ظانة أن والدتها ستخرج من إحدى غرفاته ترحب بها، ربما!، تعاتبها، تلومها، لم يحدث ذلك فقد رحلا بالفعل، في تلك اللحظة وقفت مكانها متمنية عودتها كما كانت، فكل شيء انقلب الآن ضدها، لم تبكي فتحجُر قلبها يفوق هذا الحزن المزيف، بل تحسّرت على نفسها حين ارتمت على الأرضية لتجلس، رددت ببؤس:
-يا مرارك الطافح يا أمل، طول عُمرك حظك فجر!
في درك ما هي تراه الآن، لاح حقدها مجددًا على غزل، حسدها لها لم يقل بل تأجج، قالت:
-يا بختك، محظوظة من يومك، وآني اللي كت شمتانة فيكِ!
ابتسمت بوجع فهي من خسرت كل شيء، شغلها أيضًا كيف ستعيش؟، تذكرت نقود غزل فاطمأنت قليلاً، ثم تنهدت لتبدأ في مؤازرة نفسها والتأقلم مع هذا الوضع الجديــد…………!!
__________________________________

ملت من انتظارها له فقد مر وقت طويل، خاصة وجوده معها في مكانٍ واحد يثير اشمئزازها، ونظرات الغموض الموجهة لها منه تزيد تعجبها، رغم ذلك اقتضبت غزل في الحديث معه كعادتها، لكنه بسخافته ظل يلومها، قال:
-لحد دلوقتي مش قادر أنسى إنك خدعتيني، اتجوزتي مراد وسيبتيني أنا!
اكتفت غزل بالصمت فماذا ستقول؟، تابع جاسم بتهكم:
-تعرفي إني مش بنام غير وأنا بافكر فيكِ، في نار في قلبي بتقيد كل ما اتخيلك معاه فـ….
قاطعته بنبرة منزعجة للغاية:
-بلاش تتكلم معايا كده، أنا غلطانة إني جيت، بس للأسف عاوزة أشوف بابا!!
قست غزل وهي تردعه، وكان هذا الصواب، فقد توقف جاسم مجبرًا على عدم ذكر الأمر ثانيةً حين قال:
-أمرك يا غزل!
ارتابت في نبرته المطيعة لها، رسم جاسم ابتسامة ودية، وبداخله رتب صدمة سحيقة ستغرمها حياتها الهادئة تلك..
انتبهت غزل لصوت سيارة فادركت عودة والدتها، زفرت بخفوت فقد أتى، ترقبت ولوجه وحين دخل من الباب تفاجأت بهيئته، تجمدت نظراتها عليه مندهشة ثم نهضت، تحرك أنيس بمساعدة أحد رجاله الذي يسنده، بينما دققت غزل النظر به وتفهمت السبب، هو ثمل!، نظر له جاسم يريد الضحك عليه، لكنه تماسك، قابلته غزل قائلة بعبوس:
-مالك يا بابا؟!
رغم خلقته الواضحة للأخبل سألته بواجب، جلس أنيس على المقعد بعدم اتزان، فرك مقدمة رأسه وقال:
-أنا تعبت شوية في الشغل وعاوز أنام!
ثقل لسانه وهو يتحدث جعلها تتأفف، ضايقها جاسم أكثر حين رد عليه بسخرية:
-سلامتك من التعب يا خالي، فعلا بتبذل مجهود!
ثم وضع يده على فمه متبسمًا، خاطبته غزل بتكشر:
-كنت عاوزة اتكلم مع حضرتك!
رد بلا مبالاة:
-بعدين يا غزل، أنا عاوز أرتاح
هيئته المخمورة جعلتها تلومه في نفسها، ولم تحبذ مطلقًا أن يكون والدها قدوتها هكذا، ولما العجب فقد سمح لها قبل مرة.
لم يتحمل أنيس جلوسه فعروقه يسري بداخلها عقار يدمر خلاياها، أشار بيده للرجل كي يعاونه في الصعود، بالفعل أخذه للأعلى تحت نظرات غزل المغتمة، لا فائدة من وجودها هنا لذا نهضت، أسرع جاسم قائلاً بتكليف:
-ما تخليكِ معانا النهار ده، أهو تستنيه لحد ما يصحى!
نظرت له شزرًا ولم تعلق، بل تحركت للخارج، أظلم جاسم عينيه وقال:
-أنا عملت اللي عليا، روحي بقى للنار اللي مستنياكِ
ثم تنهد بعمق وهو يوجه نظرات المبهمة للطابق العلوي، قال بقتامة:
-باين يا خالي مش هتكمل لبكرة
تنبه جاسم للخادم يقف خلفه ويقول:
-تليفون علشان حضرتك يا بيه!
استدار له جاسم فوجده يحمل التليفون بيد وبالأخرى السماعة، مد يده ليأخذ التليفون ويجيب، رد جاسم بتكهن:
-ألو!!
هتفت سناء بجدية:
-أنيس قبل ما يخرج كان بيتكلم معايا في حاجة مهمة
انصت إليها فاردفت بتشفٍ:
-كان عاوز توفيق يكلمله واحد علشان يقتل
اعتلته صدمة جلية، فمن يريد أن يقتل؟، سألها بلهف:
-قولي كل حاجة ورا بعضها اخلصي!
هتفت موضحة براحة:
-عاوز يخلص من قسمت، بيقول هي اللي ورا إنه ما يشوفش بنته، وكانت قصدة تعمل كده معاه!
ردد قاطب الجبين:
-قسمت الخياط ولا..
-أيوة هي
فكر جاسم بعمق في ذلك، فمن الظاهر أن هذه قسمت تخبئ أسرار غائرة بداخلها، وقف متحيرًا لبضع لحظات، وجد نفسه يأمرها:
-سيبيلي موضوع قسمت، أنا هدور وراها وأعرف حكايتها أيــه…..!!
__________________________________

جاءت لتتحدث في الهاتف خلسة داخل غرفتها فتفاجأت بسحب السماعة منها، اضطرب جسدها وهي تنظر له بارتباك، قطع مراد السلك بغيظ هادرًا:
-بتعملي أيه؟، مفكرة بكده هتمنعيني عنها!
خاطبته السيدة هدى بتروٍ:
-قلبي حاسس إن فيه حد بيوقع بينكم، غزل بتحبك ومستحيل تخونك
رد مراد مستهزئًا من كلامها:
-عندك حق، فيه حد فعلاً بيوقع بينا، جابها وقالها احضنيه علشان الموضوع يكون محبوك!
-دا أخوها!
قالتها السيدة معللة سبب ما حدث، لكن لم يقتنع مراد، تابعت السيدة بتوضيح:
-الصور بالنهار وفي مكان عام، يعني لو بتخونك بجد مش هيبقى في العلن كده، على الأقل كانت راحت بيته!
هتف بانفعال المجنون:
-لو كلامك صح، إزاي تسمح لنفسها تقرّب منه، دا مش أخوها، وهي متأكدة إنه بيحبها، وإنه أكبر عدو ليا، نسيت اللي حصل بينا آخر مرة، عديت الموضوع بس هي لسه بتستغفلني!
ثم تهارج مع نفسه الثائرة حد أنه رغب في أخذ روحيهما، تحرك مراد للخارج فلحقت به السيدة، عند هبوطه الدرج خاطبته السيدة من الأعلى قائلة بتحذير:
-لو عملت في غزل حاجة مش هتشوف وشي تاني يا مراد
وقف مكانه ثم أدار رأسه لها، أوحت له نظراتها أنها تنبه عليه، تلومه إذا افتعل شيء صاغر لـ غزل، تبادلا النظرات المعربة عن أمرٍ غامض بينهما، عاتبها بحزن:
-بتخوني يا ماما، دا يرضيكِ يعني؟!
تحركت لتقرّب المسافة بينهما، قالت برفض:
-لا ميرصنيش، وهي لو فعلاً بتخونك أنا قبلك اللي هقفلها!
قال باستنكار الساخط:
-بس دي مراتي، وسمعتي في إيديها!
هبطت تلك الدرجات لتقف عنده، قالت بتعقل:
-إنت بس عصبي يا مراد، ومعنى إن حد بعتلك الصور قاصد يوقع بينكم
أشاح وجهه عنها فمهما كان فهي مخطئة، تابعت السيدة لتخمد انفعاله:
-قلبي حاسس إنه يوسف، قالها اقابلك وعمل حاجة علشان يضحك عليها، إنه مثلاً دراعه مكسور ويصعب عليها، وغزل قلبها طيب صدقت، أصلها مش مجنونة تعمل كده!
عاود النظر لها قائلاً بخيبة أمل:
-ويمكن تكون بتحبه، حضرتك مشوفتيش كانت خايفة عليه إزاي، كنت هتتجنن لما كسرت دراعه!
ربتت على كتفه وقالت بتوسل محبب:
-علشان خاطري يا مراد، سيبني أنا أتكلم معاها، ولو بجد زي ما بتقول هاخدلك حقك منها!
بداخله رفض ذلك لكن اصرار السيدة جعله على مضصٍ منه يوافقها، مؤقتًا فقط..
انتبها سويًا لدخول سائق سيارتها غارقًا في دمائة، جحظت السيدة عينيها بصدمة، بينما اندهش مراد من هيئته المهزومة، هبط الدرج متجهًا نحوه فقال السائق باجهاد:
-غزل هانم يا بيه اتخطفت
صكت السيدة على صدرها بفزع، بينما سأله مراد بشراسة متجاهلاً حالته المتعبة:
-أيه اللي حصل؟
نطق السائق بلسانٍ متعثرٍ:
-ناس كتير لابسين جلاليب طلعوا علينا، ضربوني وخدوها………!!
____________________________________

-أخيرًا قررتي تخرجي معايا!
وجه أسعد حديثه الودود هذا لـ قسمت، التي وافقته الرأي وخرجت برفقته لتأخذ جولة في البلدة، قالت وهي تقف أمام الإسطبل:
-عاوزة أركب الحنطور، مش عاوزة الحصان بس
انصاع لطلبها فهي تأمر وهو ينفذ، أمر الخفير بحزم:
-جهز الحنطور بسرعة!
ثم ابتسم لها مرددًا:
-أوامرك!
تأبطت ذراعه بقوة ثم انتظرت، ما حفزها للخروج هو رؤية هذه المرأة، التي كانت آخر ما فكرت به هو أن تراها مجددًا، بات قلبها واجف منذ تقابلت معها، ابتلعت لعابها ولاح عليها شرود مفاجئ، انتبهت بتوتر لعمها يهزها بخفة، نظرت له فقال باستغراب:
-قسمت بكلمك وإنتِ مش سمعاني!
تنحنحت وقالت بثبات مزيف:
-أنا بس سرحت شوية، بافكر في آخر مرة كنت هنا!
سحبها من يدها نحو الحنطور وهو يقول مبتسمًا:
-خلينا في دلوقت، دي هتبقى فسحة محصلتش!
تجاوبت مع رغبته ثم صعدت لتركب، ركب هو الآخر بجانبها ثم تحرك (العربجي) بهما..
مررت قسمت نظراتها على الفلاحين هنا وهناك، ليس لتشاهدهم، بل تفعل ما فكرت به ليلة أمس، حيث انتوت البحث عنها، وبالتأكيد إيجادها، هتف أسعد بابتهاج:
-الجو هنا حلو قوي، الهوا نقي وصحي، وكمان الفلاحين بيسلوني، والخير عندهم كتير قوي
استمعت له قسمت من باب حضور الذهن فقط أمامه، تابع عائبًا على شخصياتهم:
-أوقات من كتر طيبيتهم بقول عليهم أغبية، بس مش كلهم، فيه ناس مش سهلة هنا، خصوصًا اللي معاهم فلوس!
قالت متفهمة وجهة نظره:
-والطيبة الزيادة دي بتودي في داهية، سذاجة مبحبهاش!
حقًا قصدت ما تعاملت معها، حتى أودت رعونتهم لخسارة كل شيء، بالأخص نادية التي صدقتها وفعلت ما أمرتها به، وعيت قسمت لأمر خروجها ثم فتشت بأعينها بين المارة، سألته بحذر:
-هي الست المجنونة دي عايشة فين؟، أصل خايفة تقابلنا تاني وتعمل فينا حاجة!
رد معارضًا بامتعاض:
-دا أنا أقطع رقبتها، بس متخافيش دي ست طيبة وبتلف هنا وهنا عاوزة تاكل ولا حاجة!
زمت ثغرها فلم يعطيها الجواب المطلوب، اشاحت وجهها للناحية الأخرى مغمومة، وفي ظل ترقبها لها وجدتها تركض بين الزروع، ركزت نظراتها عليها باهتمام شديد، لم تتغير ملامحها كثيرًا، فقط بعض التجعيدات الملازمة لعُمرها، فطنت من رؤيتها سريعًا أنها ستقابلها قادمًا، ابتسمت بلؤم فسوف تضيفها لقائمة المحكوم عليهم بالرحيل، لم يتردد عقلها في ذلك فقد فعلتها مرات، ليس بنفسها لكنها مجرد عوائق تقف أمامها، كغصن شجرة ازاحته بقدمها؛ كي تمر، غزاها سكون عجيب، مختالة بنفسها، معتزمة حرق ما يزعجها والتخلص منهـــم…………..!!
__________________________________

تعبت من وجودها في هذه الغرفة، لم يمر على حضورها هنا سوى بضع دقائق ولم ترتاح مطلقًا، نهضت سميحة من مكانها متأففة، توجهت ناحية زوجها الذي يتسطح على الفراش، خاطبته باكفهرار:
-المكان هنا خانقني، ومش متعودة عليه
رد بكل برود وهو مغمض العينين:
-عندك مكان تاني
جلست بجانبه ثم لكزته بغيظ، هتفت:
-كله منك، إنت وأخوك السبب!
فتح عينيه عابسًا، اعتدل قليلاً ثم قال باعتراض:
-واللي عمله مراد مع بنتك، دا كمان يتسكت عليه، أبوكي أصلاً مجهز يطردنا من القصر من زمان، لأنه مبيحبنيش، ومنتصر كان عنده حق لما بِعد بكرامته من الأول!
علقت على جملته الأخيرة باحتدام:
-أهو كله من منتصر، أُس المصايب والسبب في اللي إحنا فيه!
نظر لها بطرف عينيه بنفاذ صبر من نزقها، قال:
-كتر خيره أهو إحنا عنده
صححت كلامه بسخرية:
-دي فيلة قسمت أختي!
نفخ باختناق ثم عاود النوم من جديد، رمقته سميحة بنفور ثم نهضت، دلفت من الغرفة غير متحملة المكوث فيها..
هبطت الدرج فوجدت منتصر يجري مكالمات تليفونية ويبدو عليه الازعاج، لم تبالي بحالته ثم تقدمت منه متسائلة:
-هي قسمت هترجع إمتى؟!
نظر لها باستشاطة والسماعة على أذنه، وضعها قائلاً بغل:
-أختك هربت، وخدت كل حاجتها!
اندهشت سميحة ثم توجهت لتجلس أمامه، هتفت:
-يعني أيه هربت، وهتروح فين؟!
رد باغتمام:
-خايف تكون سافرت برة مصر
لاحظت سميحة من نبرته ضيقة من بُعدها عنه، هو يحبها وهي تعلم، قالت:
-لا مظنش!
أكملت بعد تفكير حاذق:
-ابوك بيلح عليها بقاله كام يوم تروح عنده، تلاقيها سافرتله، هي بتحبه ومش هترفض طلبه!
انتبه منتصر لهذه النقطة، قال:
-صحيح، كانت تايها عن بالي إزاي……….!!
___________________________________

اضطر بعد فشله في العثور عليها أن يخبر الشرطة، فقد مراد السيطرة على عصبيته وجلس بقصره غاضبًا، وقف الولدان على مقربة منه يستمعا لحديثه مع المحقق، مال حسام على جدته قائلاً:
-بجد يا تيتة غزل اتخطفت؟!
لمع الخوف على الأخيرة في عينيه، طمأنته ببسمة ودودة:
-يا حبيبي، إنت خايف عليها، ادعي ترجع بالسلامة!…

انتبه مراد لسؤال الضابط وهو يقول:
-طيب هي كانت مع مين آخر حد؟!، ممكن يكون ليه يد في خطفها!
تذكر مراد الصور المرسلة له قبلها، جاء ليقول له ويندفع في رده، لكنه أخذه حذره في اللحظة الأخيرة، هو بالتأكيد من افتعل ذلك، ربما زجرته غزل واضطر لخطفها، قال بتردد:
-معرفش كانت فين؟!
وجه المحقق حديثه للسائق متسائلاً:
-كانت فين قبل ما ترجع على القصر؟!
رد بنبرة مشدودة:
-كانت عند والدها يا فندم!
زفر الضابط فالأمر تعقد، بينما كبح مراد بما عرفه بداخله، وسيبقى انتقامه من الأخير له بمفرده، غادر المحقق بعد أخذه المطلوب منهم وبقى مراد مع والدته وأبنائه، نهض من مكانه فهتفت السيدة باستفهام متلهف:
-خارج ولا أيه؟
رد بنبرة مبهمة:
-أيوة، رايح أشوفها فين؟
نهضت قائلة بغرابة:
-ما إنت عملت اللي عليك، والظابط كان هنا بيعمل أيه يعني!
تجاهل كل ذلك ثم قال وهو يتأهب للمغادرة:
-فيه مكان نسيت أدوّر عليها فيه………!!
______________________________________

وهو مستلقي على التخت قامت بتدليك قدميه، وأدى ذلك لشعوره بالاسترخاء، وهو هكذا مغمض العينين كانت تتطلع عليه لا تعرف تكرهه أم ماذا؟، لكن أحبت أن تكون معه، لربما يقوم بإذلالها كي تتقرب منه، لربما يحبها ويخفي ذلك، ابتسمت ياسمين فهو بالطبع وجد حجته لتكون له..
تذكرت الفتاة التي كان يهاتفها فتعجبت، كان يعلن حبه لها، فماذا عنها هي الأخرى؟، غمغمت بخفوت:
-مين دي، طالما عاوزني وبيعمل كده علشان اكون معاه، ليه يكلمها كده
سكتت لثوانٍ مخمنة السبب، تابعت:
-أكيد بيخدعها، هو عاوزني أنا، اللي بيعمله معايا علشان بيحبني
هذا ما توصلت إليه ياسمين، حبه لها، وجدت نفسها تتقرب منه حتى جلست بجانب كتفه، مالت عليه ثم قبلت جبينه، خاطبته بلطف:
-صاحي؟!
فتح يوسف عينيه قليلاً وهو ينظر لها، سأل:
-فيه أيه؟
لاح الحب في عينيها وهيئتها وهي ترد:
-أيه، هنفضل قاعدين كده؟!
لمّحت له بما رغبت به ثم وضعت رأسها على صدره كنوعٍ من دفعه ليتجاوب مع رغبتها، تفهم غرضها وابتسم باستهزاء، لم يعلن نيته فيما يفعله معها وتأنى، مرر يده على شعرها بود مزيف، قال:
-معقول عاوزة البتاع دا تاني، مش لسه واخدة؟!
ابتعدت قليلاً عنه ثم احتجت بمحبة:
-لا مش عاوزاه، أنا عاوزاك إنت!
رفع حاجبه متعجبًا، قال بمغزى:
-بتحبيني؟!
أومأت بانشراح وبسمة واسعة، قالت:
-مش عارفة كنت بكلمك كده إزاي قبل ما أعرفك، لما قربت منك لاقيتك حد تاني، إنت حلو يا يوسف، وأنا حبيتك، عاوزة أعيش معاك!
لامس أسفل ذقنها بمداعبة لطيفة، قال معجبًا بحديثها:
-علشان كلامك الحلو ده هديكِ كيس بحاله
رغم أنها فرحت من ذلك، أرادت شيء آخر، قالت بتمنٍ:
-قولي باحبك!
لم تخرج هذه الكلمة من فيه سوى لشخصٍ واحد، هي غزل فقط، وجد لسانه يرفض قولها ولو بالكذب ليكمل خداعه لها، ابتسمت له ياسمين منتظرة أن يقولها، كذلك كان متوترًا وجاء لينطقها رغمًا عنه، أنقذه قرع جرس الباب، استغل ذلك ثم اعتدل قائلاً بتلجلج:
-يا ترى مين؟
تأففت ياسمين فقد قطع لحظتها الجازمة معه، تحرك يوسف ليفتح فنهضت ياسمين لترتدي روبها وتلحق به..

فور فتح يوسف للباب قابلته لكمة قوية في فكه، تراجع عدة خطوات مصدومًا مغلولاً، حدق بـ مراد بحقد وكراهية وهو يدخل شقته، هتف مراد بغضب:
-فين غزل؟!
حانت فرصة يوسف فقد حضر عدوه اللدود، اقترب منه بغتةً ثم رد له لكمته بعنف وقوة، دفعه مراد للخلف حتى وصل لمنتصف الردهة، ثم شرع في لكمه وركله، دفاعًا عن نفسه فعل يوسف مثله، رغم ذراعه المكسور لم يعيقه ذلك، لم يشعر بأي وجع سوى أنه يبغض هذا الرجل ويرغب في التخلص منه، حين خبطه مراد على ذراعه بعنف عمدًا تألم يوسف بصوتٍ عالٍ، هتف مراد بشراسة:
-غزل فين؟!
دلفت ياسمين من الغرفة مذعورة من هذه الضجة المفاجئة، انصدمت مما يحدث وعفويًا توجهت لتدافع عن زوجها، أمسكت بالمزهرية ثم بغل القتها في وجه مراد، نزف أنفه وتألم من شدة الخبطة، وقفت أمامه حائلاً وهي تمسك بمزهرية أخرى، هتفت بتهديد مستقبح:
-لو مخرجتش من هنا هصوّت وأقول إنك جاي تغتصبني وتضرب جوزي!
وقف يوسف من خلفها يمسك بذراعه ومبهورًا بدفاعها المستميت عنه، وجد مراد نفسه في مأزق وعليه التعقل في ردة فعله، خاطبه بتوعد:
-الأيام جاية كتير، بس لو طلعت غزل معاك موتك مش هتأخر وعجل بيه!
هدج مراد للخارج ثائرًا، بينما التفتت ياسمين لـ يوسف تسأله:
-بيتكلم عن مين يا يوسف؟!
كان ينهج من بذله لجهد أرهق جسده، رد بلا مبالاة:
-جاي يرمي بلاه عليا
ثم توجه ليجلس على الأريكة، وياسمين مكانها لم تقتنع، ابتسم يوسف في نفسه ظنًا أن غزل هربت منه كي تأتي إليه، ما حدث معهما آخر مرة يثبت ذلك، أخد نفسًا طويل مغتبط، قال بتحير:
-طيب ليه مكلمتنيش؟!………………….
__________________________________

تنملت بجسدها بتكاسلٍ جم، فتحت غزل عينيها بضعف حتى استعادت وعيها إلى حدٍ ما، لفت انتباهها التخت الذي تنام عليه، انتفضت فزعه من رقدتها الغير مفهومة ثم انتبهت لتقييد يديها وقدميها، زاد رعبها وهي تنظر حولها، غرفة شاسعة للغاية مكتملة من كل شيء، لم تتفهم للآن أين هي؟، لكن تذكرت كيف اختطفت على يد أحدهم..
مرت لحظات متعجبة جاهلة أين هي؟، زادت حيرتها فهتفت مستنجدة:
-فيه حد هنــا؟!
تعالى صوتها وهي تكرر ذلك، بعد وقت من جلوسها الميؤوس منه ولج جعفر بطلعته المهيبة، بكل تفاجؤ حدقت غزل به، تقدم منها مبتسمًا بتودد بغضته، قال:
-حمد الله على سلامتك يا بت بتي!
فورًا تفهمت سبب وجودها هنا، تجاهلت نزقه واستفهمت:
-أنا فين يا راجل إنت؟!
رد عائبًا عليها بسخافة:
-عيب تكلمي جدك إكده، مش دي الأصول
نفرت منه واشمأزت من وجوده معها، هدرت باحتجاج:
-مش بنتك، أنا عندي أهل، إنت واحد كداب!
رد بحقارة لم تستغربها:
-أهو لو مطلعتيش بت بتي فأنتِ مونساني ومنورة سرايتي!
انتبهت لكلمته الأخيرة فهتفت بدهشة:
-أنا فين؟!
رد بتلميح تفهمته على الفور:
-نسيتي بلدك، موحشتكيش ولا أيه؟!
ارتجف قلبها فمعاودة الحديث عنها تجعلها تتذكر كل شيء، تندم، تحلم بعودة الماضي الآمن، تابع جعفر بصلابة:
-فيه واحدة هجبهالك دلوق تونسك في الأوضة يومين إكده، على ما تتعودي عليا وتاخدي على المكان
وقاحته ليس لها نظير، ردت باحتقار:
-عيب على سنك، دا إنت بتقول حفيدتك!
لم يتأثر جعفر بكل هذا بل ظلت بسمته الصفراء تزين ثغره، هتف بحزم:
-دخلوها يا رجالة!
تلقائيًا وجهت غزل بصرها للباب مترقبة عن من يتحدث؟، ولج رجاله حاملين سيدة عجوز فتمعنت غزل فيها النظر جيدًا، فغرت فاهها حين عرفتها، أجل هي، عزيزة!، شفقت عليها فساقها مضمود وحالتها متعبة بائسة، هتفت بانفعال:
-عملت فيها أيه يا راجل يا مجرم إنت؟!
لم تتفهم غزل سبب ارتباط هذه السيدة به، قال جعفر باستفزاز:
-دي مرتي، اللي هي جدتك!
نظرت لها غزل مستنكرة أن هذه السيدة الشفوقة الحنون ترتبط به، وضعوها الرجال على أريكة كبيرة نسبيًا، اذعنت عزيزة لما يفعله معها هذا القاسي، وسلمت أمرها لله، وعيت غزل لـ جعفر يقول بثقة:
-دلوق عزيزة هتجولك إنتِ حفيدتي ولا له، انطجي يا عزيزة!
بأعين شبه مجفلة نظرت له، ردت دون تفكير:
-أيوة……حفيدتنا!
شهقت غزل ولم تستوعب هراء هذه المرأة، هتف جعفر بانتشاء:
-سمعتي يا ست البنات
لم تصدق غزل كل هذا، خاطبته بأنفاس مضطربة:
-عاوزة أمشي من هنا، مش عاوزة تكون قريبي ولا حتى أعرفك
كأنه لم يسمعها مطلقًا، قال باغترار:
-هجولهم يجيبولكم الوكل………..!!
_________________________________

عند هبوطها الدرج متهيئة للخروج استوقفها هاتفًا:
-رايحة فين يا هدير؟!
التفتت هدير لجدها، ثم تحركت نحوه، قالت باحترام:
-موسى مستنيني برة يا جدي، هتفرج معاه على فيلته واتعرف على أخته
سألها بخيبة أمل:
-هو دا يا هدير اللي اختارتيه، اللي هتبقي مبسوطة معاه؟!
كانت ملزمة بالزواج منه، قالت برعونة:
-ماله، موسى شاب كويس وغني، أكيد هيسعدني
قال السيد بنصح:
-وجدك بيقولك مش كويس، أنا عاوز مصلحتك!
ردت باستنكار:
-زمان سمعت كلام حضرتك لما جوزتني على مزاجك، لكن دلوقت أنا حرة، ومش معنى قعدت هنا مع حضرتك تغصبني على حاجة!
قال باستلام وسماحة وجه:
-روحيله يا هدير، بس يا رب متتأذيش من الجوازة دي!
كلمته وترتها بشدة، قالت بتردد:
-سلامُ عليكم!….

دلفت هدير للخارج زائغة في تحذير جدها والجميع، لم يفعل والداها هكذا، فما السر يا تُرى؟، نفخت بضجر ثم توجهت لسيارة موسى، زيفت ابتسامة وهي تركب بجانبه، قابلها ببسمة مشرقة، قال:
-العربية نورت، عقبال ما تنوري بيتي!
اكتفت بالابتسام له ولم تعلق، انطلق موسى بالسيارة نحو فيلته مباشرةً، حين وصلا صفها جانبًا فترجل أولاً، خلفته هدير وهي تتلفت هنا وهناك متفحصة المكان، قالت:
-الجنينة حلوة قوي، زي نظام أوروبا!
هتف براحة وهو يمسك بيدها:
-جوه هتعجبك أكتر!
سارت معه حتى دخلت الفيلا، تجولت بنظراتها على المحتويات بانبهار، قال بمفهوم:
-فوق لينا، تعالي!
ترددت في الصعود وارتبكت، لكنه أمسك بيدها ودفعها لتذهب معه، وهما في الرواق سألته:
-فين أختك؟!
رد بعدم اهتمام:
-باين برة، زمانها جاية
توقفت مكانها قائلة باقتطاب:
-بس إنت قولتلي إنها هنا، وأنا جيت معاك على أساس كده
رد باستنكار:
-بس أنا مش لوحدي، الخدامين موجودين
-ولو!
قالتها ثم قررت العودة، وهي تتحرك أمسك بكتفيها ليمنعها قائلاً:
-استني رايحة فين؟
انزعجت وهو يمسكها هكذا، ابعدت يده هاتفة:
-اتجننت، إزاي تسمح لنفسك إنك تمسكني كده!
توتر موسى فلم يقابل فتاة في حصافتها وعفتها من قبل، ردد باعتذار:
-آسف!
هتفت بغلظة ممتزجة بالتهديد:
-لو عملت حاجة تاني متعجبنيش فكرة الجواز بينا هتتلغي!
لم يعامله أحد هكذا أو يأمره لينفذ بطاعة من قبل، تحمل غرورها ونفذ صبره، قال بجمود:
-هنتجوز يا هدير، وافقتي أو رفضتي!
تجهمت من رده المستفز عليها، قالت ساخرة:
-نعـم، بتقول أيه سمعني؟!
رد بثقة تعجبتها وعينيه في عينيها مباشرةً:
-بقولك هنتجوز، غصب عن أهلك كمــان……………!!
___________________________________

فحصه الطبيب بعناية شديدة لبضع دقائق، وهو يفعل ذلك وقف جاسم بجانب الفراش يراقب وبداخله متلهف لسماع خبر موته، اعتدل الطبيب وقال بعملية صدمته:
-أنيس بيه لازم يروح المستشفى ضروري، حالته حرجة
ندم جاسم حين دعا الطبيب للحضور، فقد ظنه فارق الحياة، قال باندفاع:
-يـ يعني هو لسه عايش!
رد بجدية:
-أيوة، لو سمحت هستخدم التليفون أعمل مكالمة للمستشفى يجيبوا الأسعاف!
توجه الطبيب للتليفون بجانب الكومود، وجد جاسم نفسه يتحرك نحوه ويضع السماعة من يده قائلاً بظلمة مريبة:
-بعدين
-يا فندم حالته خطيرة!
كز جاسم على أسنانه متحملاً نزقه، بقساوة وضع الوسادة على وجهه عمه ليكتم نفسه بيد واحدة، حدق بالطبيب المصدوم والمفزوع وقال بنبرة حملت التهديد:
-تطلع تقول إنه مات موته طبيعية………….!!
___________________________________

حدقت بـ عزيزة بنظرات مزعوجة ومشفقة عليها في آنٍ واحد، سألتها غزل بضيق مراعية حالتها:
-إنتِ بتتكلمي بجد، إنا حفيدة الراجل ده؟!
كانت عزيزة في عالم آخر، سنها الكبير لم يتحمل ما تتعرض له، أنهك الأمر قواها ولم تعد تهتم، فلم يبقى لها سوى الرحيل بهدوء، طال انتظار غزل فتابعت:
-ردي عليا، هو مثلاً مهددك متقوليش ليا حاجة!
كنغمة حفظتها من كثرة التعذيب والخوف، رددت:
-إنتِ حفيدتنا!!
قطبت غزل جبينها وقالت بعدم اقتناع:
-لا مش صحيح، أنا مش باحبه!
-إنتِ حفيدتنا!!
نفخت غزل بامتعاض من تكرار جملتها، هتفت بهياج:
-كدابة!
ثم أخذت بغلٍ تفك وثاق يديها وقدميها، تعبت من كثرة المجهود والذي باء بالفشل، رددت بحزن:
-مراد، الحقني!
ولج جعفر الغرفة عليهما فنظرت له بغضب، اقترب منها متهللاً، التمعت عيناه وهو يزف خبر وفاة والدها لها قائلاً:
-خلاص يا غزل، مجدامكيش غيري، أنيس مات!
تجمدت معالم وجهها وجسدها وكل ما بها من أثر الصدمة، اردف جعفر بفرحة علنية غير مراعٍ لشعورها:
-محدش هياخدك مني، هتفضلي عندي ومحدش هيعرف طريجك لو الدنيا اتجلبت……………………!!

*********************
إلي هنا ينتهي الفصل الثامن والأربعون من رواية أثواب حريرية بقلم إلهام رفعت
تابع من هنا: جميع فصول رواية أثواب حريرية بقلم إلهام رفعت
تابع من هنا: جميع فصول رواية أرض زيكولا بقلم عمرو عبدالحميد

تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات عربية
أو أرسل لنا رسالة مباشرة عبر الماسنجر باسم القصة التي تريدها
اقرأ أيضا: رواية احببتها في انتقامي بقلم عليا حمدى
يمكنك تحميل تطبيق قصص وروايات عربية من متجر جوجل بلاي للإستمتاع بكل قصصنا

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق