غير مصنف

رواية أثواب حريرية – إلهام رفعت – الفصل التاسع والأربعون

مرحباً بكم أصدقائي وأحبابي عاشقي القراءة وأجمل الروايات الممتعة والروايات الرومانسية مع رواية رومانسية اجتماعية واقعية وصعيدية جديدة للكاتبة إلهام رفعت ورواياتها التى نالت مؤخرا شهرة على مواقع البحث نقدمها علي موقعنا قصص 26 وموعدنا اليوم مع الفصل التاسع والأربعون من رواية أثواب حريرية بقلم إلهام رفعت

رواية أثواب حريرية بقلم إلهام رفعت – الفصل التاسع والأربعون

اقرأ أيضا : حدوتة قبل النوم

رواية أثواب حريرية - إلهام رفعت
رواية أثواب حريرية – إلهام رفعت

 رواية أثواب حريرية بقلم إلهام رفعت – الفصل التاسع والأربعون

تابع من هنا: روايات رومانسية جريئة

أحست بصوت مقبض الباب يفتح، لم تعطي الأمر أدنى اهتمام، لربما جلبوا لها الطعام الوضيع كالعادة، وظلت مستلقية على الأرضية، لحظات سكون حين انفتح الباب عمت بالغرفة، أين أصوات الحاضر وأين الطعام؟، اضطرت نسمة للنظر نحو الباب فوجدته يقف ويحدق بها، برهبة وسرعة اعتدلت جالسة، نظرت له بتوسل وأعين حزينة، طالبة الرأفة بحالها ومسامحتها، دنا ضرغام منها بهدوء ومن هيئته أدركت أنه غير راغبٍ في معاقبتها فابتسمت بضعف، وقف أمامها قائلاً بجمود:
-مجولتليش ليه من الأول، على الأقل كنت عرفت أحميكي، وتكبري في عيني!
أطرقت رأسها باكية بتحسر، فات الآوان وانتهت، مرر نظره المشفق عليها، ما عرفه أنها ضعيفة وتم استغلالها هي وأخيها، تابع بحذر:
-آني ملجتش أخوكي!
رفعت نظراتها له وقالت بتذلل:
-سيب أخويا في حاله، دا صغير وهما اللي ورطوه معايا، انتقم مني أنا بلاش أحمد، ماليش غيره!!
جمد ضرغام نظراته الواجمة عليها، اختار الكذب عليها فهما ضحايا منتصر اللعين، ولا ذنب لهما، تفهمت نسمة أنه لن يسامحه، نهضت مستندة على كفيها ثم تحركت نحوه، جثت على ركبتيها أمامه وسط ذهوله ثم شدت يده لتقبلها، رددت بتوسلٍ جم:
-سامحه يا سي ضرغام، إن شاالله يخليك!
جاء ليسحب يده منها لكنها تمسكت بها بقوة وعينيها تنظر له بترجٍ، تحير ماذا سيقول لها؟، اندفعت نسمة لتجذبه بحديثها المروع، هتفت:
-هو عمل كده علشان بيهددوه يقتلوني أنا وهو، خاف أصل البيه دا راجل مفتري، هو السبب في موت الست فتنة!
صُدم ضرغام من اعترافها المثير، احتدت نظرات وهو يقول:
-الست فتنة!
بكت نسمة بألم وهي تتذكر ما فعلوه بها، تابعت بحرقة:
-معرفش إنهم قتلوها، قالولي حطيلها الدوا دا في الأكل، دا منوم، بس بعدين عرفت إنه دوا خطر وبيضعف القلب
ثم دفنت وجهها بين راحتيها وهي تتابع بنحيب شديد:
-مليش ذنب، كنت خايفة، استغلوا أخويا اللي بيشتغل عندهم وضحكوا عليه!!
تابعت البكاء وسط ذهول ضرغام، جاء سؤال مبهوت في عقله، لماذا كل ذلك الحقد؟، تلك الكراهية تصل لاستباحة دماء الآخرين، فقد أجهز أرواح بريئة، انتبه لها وهي بحالتها المنكودة تلك، لم يلقي على عاتقها أكثر مما تعرضت له، خفف عنها بحديثه المهون عليها _ من وجهة نظره_ قائلاً:
-قومي يا نسمة، أنا سامحتك، خدي بعضك وامشي…………!!
___________________________________

أدام النظر في هيئتها المشتتة الضائعة ووجد فيها فرصته السائغة لينفذ ألاعيبه الرجيمة، خطف جعفر نظرة غامضة سريعة نحو عزيزة الغافية ثم توجه بالكامل نحو غزل، وقف للحظات يتابعها بنظراتٍ مختلطة من المشاعر، محبة، معجبة، راغبة، لم يستشعر أنها من دمه، واعتراف عزيزة له قبيل تهديده لها جعله متأكدًا من ذلك؛ لكنه أحب أن تكون معه، اقترح عليها خطته الداهية حين خاطبها بترقب:
-لو عاوزاني أسيبك إفحالك هطلب منك طلب وتنفذيه!
وجهت نظراتها الشرسة عليه، هتفت باشمئزاز:
-متفكرش هاعملك حاجة، ولا مصدقة إن بابا مات، هيجي وهياخدني منك!
نظرة الاحتقار في عينيها أزعجته، تحمل وضعها وقال:
-آني عذرك، بس صدجيني الخبر لسه واصلني من موسى بيه، جاتله سكتة جلبية!
اهتزت نظرات غزل الغير مصدقة وازدادت ضربات قلبها، كيف هذا؟، شعرت بضيق تنفسها فقد ضاعت هكذا، والعجيب تجمد دموعها وعدم حزنها لفراقه بقدر التفكير في وضعها، استغل جعفر تلك الحالة الباهتة ثم عاود قول اقتراحه لها قائلاً:
-جولتلك لو عاوزة تخرجي من إهنه تنفذي طلبي!
رفضت غزل الاستماع لهذيانه المقرف، هتفت بضراوة:
-مراد مش هيسيبك، لو عرف إنك ورا خطفي هيقتلك، أنا مراته وهيعرف أنا فين متأكدة!
اكفهر جعفر من استخفافها به، قال بظلمة:
-أهو مراد بيه ده هينتهي جريب، كلياتهم مطيقنهوش، وأولهم أعمامه، وخبر موته مهواش إبعيد!
تزعزعت غزل وارتجف بدنها من هول ما تسمع، وتساءلت، أي عالمٍ هذا؟ الوحشي الذي استنقع هنا من البرية، تابع تكليفه لها رغم عدم مبالاتها به:
-دلوق بجى تعملي اللي هجولك عليه……………..!!
___________________________________

بين الحضور رسم الحزن ببراعة، وجلس يأخد سلوة خالة مقضيًا واجبه بينهم على أكمل وجه، جاء مراد وسار بين الحضور في بهو الفيلة، وقعت عيناه على جاسم ثم تحرك نحوه، انتبه له جاسم ثم تنهد بمسكنة مزيفة، سخر مراد في نفسه فأريج دهائه أزكم أنفه، وقف أمامه قائلاً بهدوء لا يبشر بخير:
-عاوز اتكلم معاك لوحدنا!
عاب جاسم عليه بخبث دفين:
-مش تقولي البقية في حياتك الأول، مش دي الأصول!
لم يعلق عليه مراد بل اكتفي بالانتظار أن ينهض وينفذ، وجد جاسم أن مكره لن ينضوي بذكائه، بالفعل نهض قائلاً بقبول:
-اتفضل!
أشار له ناحية الحديقة، تحرك مراد وهو من خلفه، حينما اختلى به بمفردهما، خاطبه بنبرة مرتابة:
-هو مات إزاي؟!
تفاجأ جاسم من سؤاله وتوتر، قال:
-مات عادي، جاتلة ساكتة قلبية، والدكتور بيقول كان بيتعاطى مخدرات، هي السبب!
لم يقتنع مراد بهذا الموت المفاجئ، ولم يرتاح لهذا الجاسم بتاتًا، قال:
-غريبة، أنيس يموت، وغزل تتخطف، صدفة متتصدقش، غير لما تكون مدبرة!
تقطب وجه جاسم وهو يسأله:
-قصدك أيه، وخطف غزل علاقته أيه بموت خالي، دي موتّه طبيعية!
رد مراد ببسمة متهكمة:
-أيوة مصدقك، أنا بس عاوز أعرف، إنت مش شاكك في حد!
قرر جاسم التقليل منه وابتسم بمكر، قال
-معقول مراد الخياط مراته تتخطف وقاعد كده مش لاقيها، كرامتك مش ناقحة عليك لتكون مع حد ويكون بـ……
قاطعة بتحذير غاضب:
-إلزم حدودك، مراتي لو بس عرفت مين ورا خطفها مش هخليه عايش على وش الأرض!
جملته الأخيرة جعلت قلب جاسم يتراقص، لعب في هذه النقطة وقال بدسيسة دفينة:
-مافيش غير واحد بس اللي ممكن يعمل كده، يـوسف!
مراقبة مراد الجدية لـ يوسف جعلته ينفض هذا القول، تابع جاسم باحتيال أشد ليقنعه أكثر:
-غزل ويوسف بيتقابلوا كتير، وأكتر من مرة تدافع عنه، لدرجة شكيت إنها بتحبه!
هذا بالطبع ما استراب مراد فيه بالصور التي جمعتهما معًا، حبها له!، رغم عدم تيقنه مما سيتفوه به، قال:
-غزل اختارتني أنا، مش بتحب غيري!
احتقن جاسم من حديثه؛ لكنه لم يذيع ذلك، قال بتمنٍ مصطنع:
-يا ريت يا مراد، بس الخوف تكون لعبة منها علشان تهرب معاه
خلق بداخله جو من النزاع، الغٍيرة، الشك، العدائية، لمح مراد اللؤم في هذا الرجل لذا اعتزم الرحيل، قال بثقة اغاظت جاسم:
-غزل مراتي، وهتفضل مراتي، برضاها أو لأ، المهم مش هخليها لحد غيـري!
ثم تركه مراد يغلي من الداخل والخارج، تمالك جاسم نفسه فهو يفعل المستحيل والأشنع لتكون من نصيبه ويمتلك كل شيء، غمغم بسخرية:
-طيب وريني هتوصلها إزاي!
اتسعت بسمته الصفراء فهو يعلم هوية خاطفها، ردد بتأهب:
-لازم أسافر الصعيد الليلة، وأخدها من الراجل الغبي ده……………!!
__________________________________

لم تصدق ما تخبرها به ابنتها، هتفت مستنكرة وقاحة الأخير:
-إزاي يكلمك كده، مفكر نفسه مين علشان غصب عننا نجوزك ليه؟!
وجهت هدير نظراتها الحانقة نحو أبيها، قالت:
-اسألي بابا!
التفتت سميحة لـ ماهر الذي يجلس ويبدو أنه يخفى شيءٍ ما، خاطبته باستياء:
-أيه يا ماهر، الواد ده جاب الوقاحة دي منين علشان يتكلم مع بنت الخياط كده؟!
ارتبك ماهر ولعن الأخير في سره، وضح بتذبذب:
-تلاقيه بيقول كده من حُبه ليها، بس هدير فهمت غلط!
هتفت محتجة بانفعال:
-لا يا بابا، دا كان بيهددني، وقالي غصب عني هتجوزوه
ازدرد ريقه ولم يجد رد عليها، تابعت هدير حديثها لوالدتها بنبرة محتقنة:
-ماما أنا الراجل ده كرهته، مش عاوزاه، أنا خايفة منه!
نهض ماهر من مكانه غير راضٍ عن قرارها، هتف:
-لا ما ينفعش، موسى كويس و…
قاطعته سميحة بقسمات مالت للغضب:
-اتجننت، بنتك بتقول مش مرتحاله، هتغصبها ولا أيه؟!
انصدمت هدير من ردة فعل والدها، وخشيت أن يجبرها لسبب ما مجهول عنها، علل ماهر سبب ما قاله بتوتر:
-فيه شغل بيجمعنا، وجواز هدير منه هيحسن العلاقة أكتر.
أبت هدير أن تكون مجرد سلعة لا قيمة لها في ظل تبريره الجهول، هتفت باصرار عنيد:
-مش هتجوزه يا بابا، متربطش شغلك بيا!
بداخله لم يحبذ ماهر وضع ابنته الوحيدة في موقف مشين كهذا؛ لكنه مجبرًا وعليه تكملة الأمر، قال:
-مش بمزاجك، أنا أديت كلمة وخلاص.
بغضت سميحة ما يفعله مع ابنته، وشكت أن يضمر شيء بداخله، في حين فقدت هدير الثقة في والدها، ظنته الملجأ والحماية، لكن لا، هتفت باحتجاج:
-مش هغصب نفسي، وجدي هو اللي هيقف للجوازة دي
ثم تحركت سريعًا للخارج رافضه تعسّفه الوخيم و فرض سيطرته عليها، تتبعها ماهر بنظرات نادمة مكتربة، ارتابت سميحة في أمره، سألته بجدية:
-عاوزاك تقولي يا ماهر ودلوقت، ليه مُصر هدير تتجوز منه؟!
عاود الجلوس بتعب، انكب على نفسه وقال بقلة حيلة:
-لو هدير متجوزتش موسى، أبويا هيروح في داهيــة………..!!
__________________________________

توالت عليه عتابات الأخير حين اتصل به، فتأفف في نفسه، لم يبالي أسعد بما فعله ووضعه بطيشه الجميع في موقف مخجل مستقبح، رد مبررًا باستفزاز:
-وأنا ذنبي أيه؟!، كل واحد ممكن يتسرق!
اشتد غضب منتصر فهو يضايقه أكثر بدلاً من تخفيف ثورته، هتف:
-بسبب عمايلك ماهر هيجوز بنته لـ موسى، والبنت مش موافقة، هنغصبها يعني!
عارض أسعد أن يتسبب في تدمير حياة حفيدته، قال بانكسار:
-يعني اتحبس يا منتصر!
كز منتصر على أسنانه بقوة، قال بجهامة:
-سيبلي الموضوع ده، المهم قسمت فين؟!، عاوز اتكلم معاها.
قال بمفهوم:
-قسمت هتفضل هنا، مش هترجع القاهرة تاني!
هتف باعتراض:
-وأنــا!!
رد باقتضاب حاذر:
-عاوزة تطلق!
انتفض منتصر من مكانه رافضًا لما يقوله، هتف بغضب:
-أيه البرود اللي بتتكلم بيه ده، بسهولة كده تسافر من ورا جوزها وجاية تطلب الطلاق، مش هطلق، وأعلى ما في خيلها تركبه!
ثم أغلق السماعة وأنفاسه متهدجة من الغضب، توعد بشراسة:
-أفضى بس يا قسمت من اللي حواليا وهتشوفي هاعمل معاكي أيـه….!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
توجه أسعد لغرفتها؛ كي يحكي لها الحوار بينه وبين منتصر، طرق الباب بهدوء ثم ولج، عند دخوله وجدها تدلف من المرحاض وتضع يدها على بطنها، ناهيك عن طلعتها المسجورة والمرهقة، تقدم أسعد منها مستفهمًا بقلق:
-سلامتك يا قسمت، إنتِ تعبانة ولا أيه؟!
جلست على الأريكة الصغيرة وقالت بنصبٍ ظاهر:
-عندي مغص شديد!
جلس بجانبها وقال مخمنًا:
-تلاقي من الأكل هنا، دسم ومعدتك مستحملتش!
هزت رأسها برفض، قالت:
-بالعكس متعودة عليه، بس أنا بقالي كام يوم كده، خايفة أكون عندي حاجة!
لامها بنبرة حنون:
-طالما تعبانة مكشفتيش ليه؟!، كده المسألة تكبر والتعب يزيد!
تنهدت باجهاد فالأمر مقلق، استطرد أسعد بجدية:
-المستوصف اللي هنا مش كويس، بس هشوفلك ست شاطرة كل الناس بيجبوها تكشف عليكِ!
ثم مسد على ظهرها بتعطف، فاستسلمت قسمت لرغبته، هي مريضة وعل هذه المرأة تسكّن آلامها بدواء ما، تابع متأهبًا لدعوة الأخيرة للحضور:
-هخلي الغفير يناديلها علشان تطمنا عليكي، ولو معرفتش هنروح مستشفى في سوهاج جنبا……………..!!
___________________________________

مدت يدها بالملعقة المليئة بالأرز ناحية فمها لتطعمها، رفضت غزل ذلك وادرات رأسها للجانب الآخر، قالت جميلة بسماحة:
-كلي يا ست، هتموتي نفسك من الجوع!
تجاهلتها غزل فقد فضّلت الموت على أن تحيا هكذا، تابعت جميلة بتوسل:
-سي جعفر جالي لو ما اهتمتيش بيها هدفنك حية، يرضيكي يا ست يعمل فيا إكده!
عاودت غزل النظر إليها، وجدت البراءة في أعين هذه الفتاة، ردت عليها باستياء:
-إزاي أهلك يسمحولك تشتغلي عند الراجل المفتري ده!
قالت جميلة بأسى وهي تصصح مفهومها:
-دا آني متجوزاه!
شهقت غزل بصوت مسموع، هتفت باستنكار:
-إنتي تتجوزي الراجل ده، دا يخلف أبوكي!
شجنت جميلة على نفسها المسكينة، بينما اشفقت غزل عليها، فالأكيد أنها تعاني معه، تابعت جميلة بلطف:
-كلي يا ست علشان ميجولش حاجة.
فقدت غزل لذة تناول أي شيء في جوفها؛ لكن رأفةً بهذه الفتاة فتحت فمها لتأكل، التقمت الطعام بذهنٍ شارد، تفكر وتفكر في كيفية الهروب من هنا، انتبهت بعدما اكتفت من الأكل لـ عزيزة، قالت لـ جميلة بتكليف:
-باين عزيزة مكلتش، روحي أكليها!
اومأت جميلة بامتثال ثم حملت الصينية متجهة نحو عزيزة، أيقظتها من نومها لتدعوها للأكل، بينما حدقت غزل بها تفكر في كلام جعفر، خروجها من هنا مقترن بمعرفة أموال هذه السيدة، لم تجد حل آخر سوى استدراج عزيزة في الحديث وتأخذ منها المعلومات، لكن كيف؟، هي لا حول لها ولا قوة..
رغبت غزل في دخول المرحاض فخاطبت جميلة بطلب:
-عاوزة أدخل الحمام!
التفتت لها جميلة ثم قالت:
-حاضر يا ست!
مسحت جميلة فم عزيزة بقطعة القماش ثم عاونتها على الاستلقاء مجددًا، نهضت متجهة لـ غزل المكبلة الأيدي والأقدام، قالت:
-هفك إيديكي بس، سي جعفر كان جالي إكده!
زفرت غزل بضيق وسلمت أمرها، اومأت بموافقة فاقتربت جميلة لتفك وثاق يديها..
استندت غزل عليها وهي تنهض معها ناحية المرحاض، سارت بتعثر وهي تنفخ، قالت جميلة بود:
-جربنا نوصل!
ثم ولجت بها المرحاض فتقبضت غزل وقالت محتجة:
-ربنا ينتقم منه، حتى الحمام مش هاخد راحتي فيه!
ابتسمت جميلة وقالت بمرح:
-مهبوصش!
وجدت غزل نفسها تبتسم رغمًا عنها، عاونتها جميلة في قضاء حاجتها محاولة احترام خصوصيتها، حين انتهت قالت جميلة بشفقة:
-كان بودي أساعدك، بس أخاف منيه!
انتبهت غزل لذلك، نظرت له مطولاً فلما لا تساعدها على الهرب، ومن ثم تمنحها مكافئة مغرية، هتفت بتفاؤل:
-عارفة لو ساعدتيني أخرج من هنا، هانتقملك منه، هديكي كمان فلوس كتير، ومش هخليه يأذيكي وتخلصي منه
انبهرت جميلة بكل هذا، هتفت بعدم تصديق:
-صحيح يا ست لو ساعدتك هتعمليلي كل ده
هتفت غزل بتأكيد شديد:
-واللهِ العظيم هاعملك أكتر من كده، بس ساعديني، دا خطفني وجوزي لو عرف هيدفنه!
وجدت جميلة النجدة في هذه الفتاة، تهللت فهي تبغض معاشرته، أيضًا ضيق ذراع والديها يوجمها، سنحت لها الفرصة لتتخلص منه فإما لا، استفهمت بجهل:
-طيب هنعمل أيه علشان تُهربي؟!…………….
___________________________________

ولجت غرفتها موترة الأعصاب، أدعت زيارتها لهما لتنفذ ما طلبه منها، جلست ياسمين على طرف تختها لبعض الوقت تفكر، أخذت نفس هادئ ثم استعدت نفسيًا وجسديًا، نهضت من مكانها ثم باحتراسٍ تحركت لخارج الغرفة..
نظرت هنا وهناك؛ كي لا يراها أحد وهي تتسلل لغرفة أخيها، وقفت أمام الباب مرتبكة، ثم فتحته ببطء؛ لكن سريعًا ولجت واغلقته خلفهـا..
عرفت مقصدها وتوجهت إليه، أجل خزنته الخاصة والتي تحوي أهم ما يملكه، فتحتها ياسمين بأيدٍ مرتعشة فهي تعلم رموزها جيدًا، حين انفتحت حدقت بها لا تريد سحب أي شيء، قالت بتردد:
-سامحني يا موسى، مضطرة!
عجّلت ياسمين بأخذ الأوراق فقط، دستها بين ملابسها ثم اغلقتها من جديد، لم تنتظر أكثر حتى دلفت للخارج مضطربة..
عند سيرها المتزعزع بالرواق اصطدمت باختها، هتفت هند بدهشة:
-أيه يا ياسمين، رايحة فين؟!
ابتلعت لعابها وقالت:
-همشي بقى!
استغربت هند فلم تمر دقائق على مجيئها، قالت:
-هو إنتي لحقتي؟!، مش اتفقنا نقعد اليوم كله مع بعض
حافظت ياسمين على ثباتها واختلقت عُذر، قالت:
-أصل افتكرت حاجة مهمة قوي هاعملها، ووعد هاجي تاني أصل مينفعش ءأجلها!
نظرت لها هند باشتياق فقد استوحشها الجلوس معها وتبادل الحوار، قالت بترجٍ محبب:
-طيب يا ياسمين، هستنى ترجعي تاني، إنتي وحشتيني قوي ونفسي نرجع نقعد سوا….!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
وقف بسيارته مبتعدًا مسافة كافية عن الفيلا ينتظرها بشغف، هز يوسف قدمه بتوتر خشية أن تفشل في المهمة التي أسندها إليها، وتمنى أن يخيب ظنه وتفعل المطلوب..
دقق النظر في فتاة تسير من بعيد وحين تقترب تتضح هويتها، اغتبط داخليًا وهو يتابع مجيئها مبتسمًا، هرعت ياسمين ناحيته بسرعة كبيرة، ركبت بجانبه تنهج بشدة، وضع يده على رأسها يمسدها قائلاً:
-إهدي شوية خدي نفس!
اخذت تتنفس بهدوء، قالت بنهج خفيف:
-كنت مرعوبة وخايفة!
سألها بترقب المهتم:
-المهم جبتي الورق؟!
أخرجت الأوراق من ثيابها، قالت وهي تعطيها له:
-أهي!
التقفها منها بلهفٍ واضح، جهل هل هي ما أرادها، أم ليست هي؟، لتعليمه البسيط، سألته بمعنى:
-هي اللي إنت عاوزها؟!
مررها واحدة تلو الأخرى وفتح بعض المستندات على عجالة، لم يعي كليًا إذا كانت هي؛ أم لا، رد بعدم معرفة:
-مش متأكد!
تابع بنظرة تحبها منه:
-بس خلينا نمشي، ونقعد بعدين مع بعض على السرير تقريهالي
تحب طريقته الجريئة تلك معها، قالت بحب وهي تضع رأسها على كتفه:
-حاضر، ولو عاوز أعلمك معنديش مانع…………!!
___________________________________

-مراد، مش هتدخل بقى، الأكل جاهز!
انتبه مراد لوالدته وهي تناديه، استدار بجسده لها وقال:
-ماليش نفس يا ماما
قالت بنبرة حنون:
-يا حبيبي أكلتك ضعيفة من وقت اللي حصل، وحالتك مبقتش عجباني
ولاها ظهره مجددًا غير مهتمٍ بحالته، تابعت بتعطف:
-الجو برد هنا في الجنينة، ادخل حتى!
رد بمعنى وهو يلتفت لها ثانيةً:
-أمي أنا كويس، أنا هنا مستني ضرغام، عاوزوه في حاجة!
علقت على ذلك بشغف:
-بخصوص غزل، عرفتوا حاجة؟!
أدرك سبب تلهفها، قال:
-باعمل المستحيل يا ماما علشان ألاقيها، ومتخافيش قريب هتكون هنا معانا
رددت بتمنٍ ومناشدة:
-يا رب ترجعلنا بالسلامة!
تركته السيدة وعادت بخيبة أمل في دخوله معها، وقف مراد كما هو يحدق في أرضية الحديقة بتفكيرٍ عميق، لم يكل أو يمل منه، ردد بشرود:
-اتنين بس هما اللي ممكن ياخدوها مني، حد فيهم بس مش هسيبه، دي مراتي، وبتحبني!
زال مراد كل ما مضى من رأسه، أراد فقط رجوعها وستكون تحت حمايته الأبدية، قال بثقة:
-مش هصدق أي حاجة، هي كانت معايا وبتحبني أنا، محستش مرة وهي معايا بتكرهني!!
فاق من حديثه الهائم هذا على صوت ضرغام يقول:
-مساء الخير يا مراد بيه!
انتبه مراد له، نظر له متسائلاً:
-عملت أيه؟!
اقترب ضرغام منه أكثر متهيئًا لشرح مخطط سيرة طوال اليوم، قال بجدية:
-يوسف فيه حاجة وراه بيعملها، بس معرفش هي أيه!؛ أما جاسم فهو حريص جوي في كل حاجة بيعملها، بس إحنا وراه خطوة بخطوة!
استسخر مراد من كلامه قائلاً:
-يعني مافيش جديد!
ثم تحركت بضع خطوات للأمام نافخًا بتخمة، تابع بعدم رضى:
-رجالتك مبيشوفوش شغلهم كويس يا ضرغام
انحرج ضرغام منه وقال بنبرة حماسية:
-إن شاء الله يا بيه هفرحك جريب!
تاه مراد في السماء ونجومها، حدق بها بشرود كبير، فهما تحت سماءٍ واحدة، لكن تبعدهما المسافات، أجزم في نفسه أنه يراها مرسومة في ظلمة السماء، ابتسم لكن سرعان ما تلاشت ابتسامته، خُيّل له أنها خائفة، تركض مذعورة، تموّر قلبه ولم يفطن ما هذا الإحساس الغريب، ردد بقلق:
-غـــزل…………..!!
___________________________________

حين انطلقت من بوابة السراية وقبل هروبها من أمامها استوقفتها سيدة قاسية الملامح، خاطبتها بنبرة جافة تحمل الكثير:
-هروبك مش معناه مستنين منك حاجة، أصل آن الأوان نخلص من الجاحد ده
جاءت جميلة من خلفها قائلة:
-حظك حلو لجيتي اللي يهربك، آني أخويا جوه في الزريبة معرفاش عملوا فيه أيه؟
نظرت لها غزل من هيئتهن أدركت مدى المعاناة الملقية عليهم، تخبط فكرها وارادت فعل شيء لهن الآن، تذكرت قرطها وخاتمها وعقدها الصغير، هتفت وهي تنزع جميع مجوهراتها:
-خدوا دول دلوقت، ينفعوكم في أي حاجة، على ما أرجع تاني
ثم مدت يدها بهم للمرأة، تابعت غزل بجدية:
-هرجع علشان عزيزة، أنا عاوزاها معايا
نظرن للمجوهرات لبعض الوقت، لم تتردد جميلة في أخذهم منها، قالت:
-أيوة هينفعونا، هجيب بيهم طبنجة جديدة، هجتله بيها
وافقتها أم زينب الرأي، هتفت بغلول:
-عنديكي حج يا بتي!
تدخلت غزل وقالت:
-ممكن أمشي قبل ما حد يشوفني!….
……………………………………………………..
خفة جسدها وقوته ساعداها في الركض الطويل دون أن تتعب، لم تتحير إلى أين ستذهب؟، هي تحفظ الطرقات عن ظهر قلب، كثيرًا ما لهت هنا وهناك وعبثت في جميع الأنحاء، لذا انطلقت بكل سهولة ولم تجد ما يعيقهـا..
من بين الأراضي وظلمتها ركضت غزل في طرق ضيقة للغاية، لم تخشى أصوات الحشرات المنبعثة كونها معتادة عليها، وظلت هكذا حتى ابتعدت مسافة كبيرة عن السراية، وقفت لحظات تلتقط أنفاسها الزموعة، وتيقنت أن بخروجها لن يمسك بها أحد، قالت بعزيمة:
-هروح بيتنا استخبى فيه لحد الصبح!
عاودت الركض ثانيةً لكن تجمدت فجأة حين استمعت لصرخة امرأة تستغيث، دارت غزل حول نفسها بفزع وأعين مجحظة تنظر في مكان بعيد كان أو قريب، بعد ثوانٍ معدودة لاحظت طيف سيدة تركض من وسط إحدى الأراضي المزروعة بـ (البرسيم)، ظنتها شبحًا فمن عاقل يأتي لهذا المكان ليلاً؟، لكن معاودة صراخها جعلها تنفض هذا التخمين..
انتبهت لرجل يركض من خلفها هيئته مريبة تذعر القلوب، فورًا استشفت ملاحقته للمرأة، اعتزمت مساعدتها حين تحركت نحوها، انتفضت غزل وهي تسرع في سيرها أن المرأة تعثرت قدماها وسقطت أرضًا، هذا يعني وصول الرجل إليها، خاصة هذا السكين اللامع الذي يشهره علنًا، ركضت غزل بطيش فوق الطين وفوق أرواث الحيوانات ولم تبالي، شاغلها إنقاذ المرأة من وطأة هذا الخسيس، تسارعت دقات قلبها حين اقترب منها منتويًا ذبحها أو طعنها في أيهما يفكر..
ما فعلته غزل قبيل وصوله لها هو شد انتباهه برؤيتها له، صاحت بهياج:
-أبعد عنها يا…
التفت لها الرجل مرتبكًا وهي تركض نحوه وتسبه، ما فكر به في تلك اللحظة قتلهن معًا لإخفاء جريمته، ولم يتخلى عند تنفيذ ما جاء من أجله وما أمرت به السيدة، بينما حدقت غزل بالمرأة التي تزحف على مرفقيها، تذكرتها فهي المخبولة، قالت هانم بذعر:
-سـ ساعديني!
انتبهت غزل للرجل يرفع السكين عاليًا فصرخت بعنف دوى صوته في المكان ولسانها يردد عفويًا:
-هـــــــانم………………..

*********************
إلي هنا ينتهي الفصل التاسع والأربعون من رواية أثواب حريرية بقلم إلهام رفعت
تابع من هنا: جميع فصول رواية أثواب حريرية بقلم إلهام رفعت
تابع من هنا: جميع فصول رواية أرض زيكولا بقلم عمرو عبدالحميد

تابعوا صفحتنا على الفيس بوك للمزيد من روايات عربية
أو أرسل لنا رسالة مباشرة عبر الماسنجر باسم القصة التي تريدها
اقرأ أيضا: رواية احببتها في انتقامي بقلم عليا حمدى
يمكنك تحميل تطبيق قصص وروايات عربية من متجر جوجل بلاي للإستمتاع بكل قصصنا

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق